الاغتيالات الإسرائيلية: بين إضعاف المقاومة وتجديدها

 

الاغتيالات الإسرائيلية: بين إضعاف المقاومة وتجديدها

اغتيالات تكتيكية بنتائج عكسية: قراءة فكرية وتاريخية

تُعَدّ سياسة الاغتيالات جزءاً محورياً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذ تراها أداة لضرب القيادات المؤثرة، وإضعاف المقاومة، وإرباك بنيتها التنظيمية. غير أن قراءة متأنية للتجارب التاريخية، جنباً إلى جنب مع البعد العقائدي والديني في فكر المقاومة، تكشف أن هذه السياسة غالباً ما تؤدي إلى نتائج معاكسة: فهي لا تقتل الفكرة، بل تُحييها وتجدّدها.


أولاً: البعد العقلي والتحليل السياسي

  1. فقدان القدرة على التوقع
    تعتقد إسرائيل أن استهداف القادة يضعف القدرة التنظيمية للمقاومين. لكن التجارب تُظهر أن استشهاد شخصية معروفة ومحللة بدقة يفتح المجال أمام وجوه جديدة مجهولة لدى العدو، مما يعقد مهمة الاستخبارات في التنبؤ.

  2. ديناميكية المقاومة
    المقاومة بطبيعتها جماعية ومؤسسية، وليست رهناً بشخص واحد. غياب القائد لا يُنهي المسار بل غالباً يفتح المجال لإعادة الهيكلة وتطوير أدوات جديدة.

  3. الأثر الرمزي والاستنهاض الشعبي
    اغتيال القادة يحوّلهم من شخصيات تنظيمية إلى رموز قومية أو دينية، وهو ما يعزز الالتفاف الشعبي حول مشروعهم بدلاً من إضعافه.


ثانياً: التجربة التاريخية

التاريخ الحديث يقدم شواهد عديدة على فشل الاغتيالات في تحقيق أهدافها النهائية:

  • اغتيال السيد عباس الموسوي (1992):
    أقدمت إسرائيل على استهداف الأمين العام لحزب الله بهدف ضرب التنظيم في مرحلة مبكرة. لكن النتيجة تمثلت في بروز السيد حسن نصر الله قائداً جديداً، استطاع أن يقود حزب الله نحو انتصارات استراتيجية، أبرزها انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وخوض حرب يوليو 2006 التي أثبتت قدرة المقاومة على فرض معادلات جديدة.

  • الشيخ أحمد ياسين (2004):
    مؤسس حركة حماس وزعيمها الروحي، اغتياله لم يوقف الحركة، بل زادها التزاماً بأفكاره، ورفع مكانته إلى رمز دائم ألهم أجيالاً لاحقة.

  • عبد العزيز الرنتيسي (2004):
    اغتيل بعد أسابيع من توليه قيادة حماس، فاستمرت الحركة وأظهرت مرونة تنظيمية، ما يدل على أن البدائل سرعان ما تتقدم.

  • عماد مغنية (2008):
    استهدافه في دمشق أزال أحد العقول الأمنية الأكثر خطورة على إسرائيل، لكن حزب الله واصل تعزيز قدراته العسكرية والاستخباراتية.

هذه الحالات كلها تشير إلى أن المكاسب الإسرائيلية غالباً ما تكون تكتيكية ومؤقتة، بينما الأثر البعيد يذهب إلى صالح تجديد المقاومة وتوسيع حضورها.


ثالثاً: البعد النقلي والعقائدي

  1. القرآن الكريم

    • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].
      وهي تأكيد أن استشهاد القادة لا يُميت مشروعهم بل يمنحه حياة أوسع.

    • وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
      وعدٌ يؤكد أن استمرارية النصر ليست رهناً ببقاء شخصيات بعينها بل بالتمسك بالرسالة.

  2. الروايات الإسلامية

    • وردت نصوص متعددة عن خروج رايات جديدة في آخر الزمان، مثل راية اليماني وراية الخراساني، بما يشير إلى سنة تاريخية: غياب قائد يعوضه بروز قيادة أخرى أكثر تأثيراً.

    • حتى الرايات التي لم يُمدح أصحابها –كراية السفياني– تدل على حركة تاريخية مستمرة لا تسمح بثبات ميزان القوى لصالح طرف واحد.

  3. سُنّة التدافع
    من سنن الله في التاريخ أن الصراع لا ينتهي بالاغتيالات، بل قد تسرّع الأخيرة من ولادة مراحل جديدة لحركات المقاومة.


رابعاً: قراءة حيادية

  • إسرائيلياً: تُعد العمليات إنجازاً أمنياً ورسالة ردع للخصوم.

  • عند المقاومة وجمهورها: تتحول الاغتيالات إلى عامل تعبئة، وتُقدَّم الشخصيات المستهدفة كأيقونات رمزية.

  • من منظور أكاديمي محايد: الاستنتاج أن أثر الاغتيالات قصير المدى تكتيكياً، لكنه ضعيف في حسم الصراع أو إنهاء الحركات المسلحة ذات العمق الشعبي والديني.


الخاتمة

تؤكد التجارب أن سياسة الاغتيالات، رغم ما تحققه من مكاسب آنية، لا تُنهي مقاومة متجذرة بعقيدة وهوية وبيئة شعبية، بل قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج المقاومة بشكل أقوى وأكثر تنظيماً. فإسرائيل تستطيع أن تغتال القادة، لكنها لا تستطيع أن تغتال الفكرة أو تُبطل العقيدة، ليبقى الصراع مفتوحاً حتى تتحقق معادلات جديدة أوسع من الحسابات الأمنية الضيقة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن