من تصدق الطبيب أم الحلاق !
أرجوك، توقف عن الدهشة! نحن في عصر المساواة: الطبيب يكذب والحلاق يتحول إلى ابن سينا بين ليلة وضحاها، فقط بفضل "خليط زيت الزيتون مع شوية سدر وكم قطرة الليمون". كيف لا تصدقه؟! أليس هو من أنقذ جارك من الصلع وأعاد لمطلقته شبابها؟ الطبيب المسكين بالكاد يجد من يصدقه، أما الحلاق، فهو المرجع الصحي الأول و"الهيئة العليا للدواء".
أما عن السيارات فحدث ولا حرج! مركبة تابي المسير – ذلك الحصان الحديدي القديم الذي كلما عطس صديقه الميكانيكي عطس معه – يروج لها كأنها أطقم الذهب السويسري. تجد الشاري يفاصل ويتحمس وهو يردد: "الجديد ما له أمان، زمان أول أحسن، هذي مجربة ومطعونة بحياة سبع مالكين قبل!" القديمة البالية هي الرهان الآمن طبعاً، أما الجديدة فهذه مخاطرة لا يقبل بها إلا المتهورون.
وفي مواجهة الفقر، ينادي التاجر بحلول اقتصادية عبقرية: "البركة في الشطارة!" ويقسم بأن سر الغنى هو بيع الماء في حارة السقايين. أما الاقتصادي – صاحب الشهادات والأرقام – فما هو إلا "منظر فاضي"، رجل لا يفهم في "الكاش" ولا في "الحسبات اليدوية".
والأعجب من كل هذا أن مرتادي هذه المدرسة في التفكير عددهم هائل، ويتغنون بألقاب مثل "المفكر الحر" و"العقل المستنير"، وكأن ربط التفكير بالنظريات العلمية صار رجعية! نعم، الحرية الحقيقية أن يعتقد المرء أن الأرض قرص فلافل... المهم أن يكون رأيه حراً!
تجد شخصاً أفنى نصف قرن بين بطون الكتب والبحث والتحقيق، يشهد له القاصي والداني بسعة علمه، لمجرد أن شاباً خرج من الجامعة بشهادة "بحبشتها الدرج"، يرى نفسه مؤهلاً لأن يخالف ويجادل ويتذاكى بل وربما يسخر من المتخصص ويصفه بأنه متحجر الفكر أو "عايش في الماضي".
هذه هي الحياة يا صديقي: ترى من يعترف بأن الشمس مشعة ثم يجادل في حاجته لنورها. ترى من يقصد الطبيب ثم يشتكي من الدواء، فقط لأن الحلاق نصحه بخلطة العسل الأسود على الرئة!
باختصار، ما يحول بين هؤلاء وبين قبول الحقيقة لا هو العلم ولا المنطق، بل هو الكبرياء والعجب وعبادة الرأي الذاتي... وربما جرعة زائدة من فيديوهات التحفيز الذاتي على تيك توك.
تعليقات
إرسال تعليق