"لماذا يخلق الله أناسًا مرضى أو مشوهين؟"

 

"لماذا يخلق الله أناسًا مرضى أو مشوهين؟"

هل يمكننا حقًا أن ننسب العلة إلى الخالق حينما نرى الضعف والنقصان في خلقه؟ إن سؤال "لماذا يخلق الله أناسًا مرضى أو مشوهين؟" ليس مجرد تساؤل ساذج، بل هو صرخة فلسفية عميقة تلامس جوهر علاقة الإنسان بمصدر وجوده. إنها محاولة لفهم حدود قدرة الخالق وحرية المخلوق، وربما تكون الإجابة ليست في القدرة المطلقة، بل في المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان.

لنتأمل في هذه العلاقة عبر استعارة مجازية. تخيّل أنك مالك مصنع عظيم، مصنع للحياة. أنت من وضع القوانين الأساسية التي تحكم إنتاجه، وأنت من حدّد المواصفات المثلى للمواد الأولية. لكنّك، في حكمة بالغة، أوكلت إلى العاملين فيه مهمة اختيار تلك المواد والاعتناء بالآلات. فإذا اختاروا خامات رديئة، أو إذا تجاهلوا تعليمات الصيانة، فهل يكون المنتج النهائي معيبًا بسببك أم بسبب اختياراتهم؟ من يتحمل مسؤولية العيب؟ هل يُلام صانع المصنع على خطأ ارتكبه القائمون عليه؟

إن هذه الاستعارة تجسّد علاقة الإنسان بالخلق. الله سبحانه وتعالى، صانع الكون، لم يترك الإنسان دون توجيه. لقد وضع لنا قوانينًا أساسية للحياة، قوانين طبيعية وشرعية. أمرنا باختيار الشريك الصالح، وأرشدنا إلى الطيب من الأغذية، وحذّرنا من الخبيث منها. لكن الإنسان، بسلطة اختياره، تلاعب في هذه القوانين. فغيّر في الأغذية عبر التعديل الوراثي والمواد الكيميائية، واستخدم مواد حافظة ومهدرجة لم تكن يومًا جزءًا من الخطة الإلهية. بل وحتى في الأدوية التي يُفترض أن تكون علاجًا، أصبحت تحمل في طياتها آثارًا جانبية تؤثر على الأجيال القادمة.

إننا نعيش في عالم أصبح فيه الهواء ملوثًا، والماء غير نقي، والبيئة محاطة بكل ما هو صناعي. إن هذه الأفعال، سواء كانت بوعي أو بغير وعي، تؤثر في صحة الإنسان وتُحدث تشوهات قد لا تظهر في جيل واحد، بل تتوارثها الأجيال. إن الخلل ليس في "نظام المصنع" الأصلي، بل في "المواد الأولية" التي يختارها الإنسان، وفي "صيانته" غير المتوافقة مع تعليمات الخالق.


هل تحميل الذنب على الله هروب من المسؤولية؟

إن تحميل الله مسؤولية الأمراض والتشوهات هو في جوهره هروب من مسؤولية الإنسان تجاه نفسه وتجاه من حوله. إنه محاولة لرمي العبء على كاهل قوة لا تُساءل، للتملص من نتائج اختياراتنا وأفعالنا. إن الله سبحانه وتعالى خلق نظامًا متكاملاً، لكن الإنسان هو من أحدث فيه الفساد.

علينا أن ندرك أن المشكلة المباشرة ليست في "فعل الخلق" الإلهي، بل في "فعل الفساد" البشري. إن التشكيك في أفعال الله بسبب ما نراه من نقص في الخلق هو في الحقيقة تشكيك في قدرة الإنسان على الالتزام بالقوانين الإلهية والطبيعية، وفي قدرته على تحمل المسؤولية. إن الإجابة الفلسفية تكمن في أن الحرية التي مُنحت للإنسان تأتي معها مسؤولية هائلة، ومأساة الإنسانية تكمن في أنها غالبًا ما تسيء استخدام هذه الحرية ثم تلوم القدر على نتائج أخطائها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن