لماذا خلقنا الله؟ (الخطاب الفلسفي الجدلي للملاحدة)
لماذا خلقنا الله؟ (الخطاب الفلسفي الجدلي للملاحدة)
حين يسأل الملحد: "لماذا خلقنا الله، وهو يعلم أننا سنفسد ونسفك الدماء؟"، يكشف بسؤاله وحده أنه لم يفهم معنى كلمة "الله". فهو يتحدث عن المطلق بلسان النسبي، ويحاكم الحكيم بميزان الجاهل، ويظن أن حكمته القاصرة تسع ما وسع علم الله!
السؤال نفسه ليس بحثًا عن حقيقة، بل جدل ساذج؛ أشبه بطفلٍ يسأل: "لماذا وضعت المدارس الاختبارات وهي تعرف أن بعض الطلاب سيرسبون؟". الجواب بديهي: ليتميز المجتهد من المهمل، وليظهر الفارق بين من استعدّ ومن ضيّع، ولأنّ الامتحان هو الذي يكشف الجوهر، لا تمنيّات العقول الكسولة.
الإنسان بين الجماد والملَك
الله حين قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، لم يعلن مخلوقاً آلياً منزوع الإرادة، بل أعلن مشروع كائن فريد قادر على الاختيار. الملائكة بلا شهوة، والحيوانات بلا عقل، أما الإنسان فمزيج من الاثنين، مخلوقٌ يقدر أن يتجاوز الملَك رفعةً إن أطاع، وأن يهبط أسفل من البهيمة إن عصى.
فهل كان الأجدر أن يخلقنا الله حجارةً ساكنة لا تختار، أو نباتًا لا يعقل؟ أي حكمة في وجود بشر لا خيار لهم إلا الطاعة القسرية؟ أي معنى للفضيلة بلا نقيضها؟ إن وجود الشر ليس دليلاً على غياب الله، بل على حرية الإنسان، والحرية جوهر الخلافة.
علم الله لا يعني جبرًا
الملحد يتوهم أن علم الله بأفعالنا يسلبنا الحرية، وهو وهم يُبطل نفسه. فالعالم إذا علم أن الشمس ستشرق غدًا لا يعني أنه أجبرها أن تشرق! الله كتب علينا الموت والحياة كقوانين كونية لا فرار منها، أما اختيارات الخير والشر فقد تركها مفتوحة. ومن هنا جاء الثواب والعقاب.
فلو كان الإنسان مجبورًا لما كان معنى للتشريع، ولا قيمة للجنة ولا للنار، ولا للرسل والرسالات. فالمسألة واضحة إلا لمن أراد أن يخلط عنادًا وجدلاً.
إشارة المرور والعبثية الملحدة
خذ مثالًا دنيويًا: القانون يضع إشارة مرور حمراء. كل سائق يملك حرية كسرها، لكن سلطان الحرية لا يلغي مسؤولية النتائج: الحوادث، الموت، العقوبة. فهل يجرؤ عاقل أن يقول: "بما أن هناك من يخالف ويقتل الناس، فالقانون نفسه عبثي"؟
إذن الملحد الذي يسخر من التشريع الإلهي يرتكب نفس المغالطة، بل هو أول من يطيع قوانين البشر الوضعية ولا يعترض عليها! أي تناقض أبين من هذا؟
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
القرآن يلقي الجواب الفصل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
لكن العبادة هنا ليست طقوسًا ضيقة كما يظن المتدين الكسول أو الناقد السطحي. العبادة هي معنى شامل للحياة كلها: العمل الصادق عبادة، والرحمة عبادة، والعدل عبادة، والبحث عن العلم عبادة. كل حركة تتحرك بها نحو الكمال هي عبادة.
العبادة إذن مسيرة صعود: من النقص إلى الكمال، من شهوةٍ عمياء إلى نورٍ مطلق، من أنانيةٍ ضيقة إلى معنى يمتد إلى الله. هنا تظهر الحكمة: الله لم يخلق الإنسان ليبقى ترابًا دنيئًا، بل ليكون مرآة تعكس صفاته: رحمة الله تُرى في الراحمين، وعدله في العادلين، وحكمته في العقول المستنيرة.
سقوط السؤال وصعود الجواب
حين يسأل الملحد: "لماذا خلقنا؟"، يظن أنه كشف ثغرة في الإيمان، والحق أنه كشف ضيق وعيه. فالله لم يخلقنا عبثًا، بل لنرتفع. من أراد الكمال فالباب مفتوح، ومن استسلم للشر فالعقوبة عادلة. السؤال إذن ليس: "لماذا خلقنا الله؟"، بل: "لماذا نرفض نحن أن نفهم الغاية من خلقنا؟"
الخاتمة
الحقيقة أن سؤال الملحد يحمل في ذاته التشويه والسذاجة:
هو يشكو من الفساد ليجعل منه ذريعة لإنكار الله، في حين أن وجود الفساد هو نتيجة الحرية نفسها التي يزهو بها.
وهو يزعم طلب المعنى، بينما يرفض كل طريق يقوده إليه.
إنه يرفض أن يكون عبدًا لله، لكنه في الحقيقة عبدٌ لشهوته، أو لعبثية عابرة لا تصمد أمام أي تفكير فلسفي جاد.
إذن: لم يخلقنا الله لنُذلَّ، بل لنكمُل. لم يخلقنا عبثًا، بل كخلفاء وعبدة أحرار، قادرين على أن نكون مرآةً لصفاته في الأرض. هذا هو الجواب الفلسفي، وهذا ما لا يطيقه من حوّلوا العقل إلى قيدٍ بدل أن يكون مفتاحًا.
تعليقات
إرسال تعليق