الانفجار العظيم هل هو بداية الوجود ؟
حينما يذهب بعضهم إلى أن بداية الكون كانت "الانفجار العظيم"، وأنه أصل كل شيء، وأن لا خالق وراءه؛ فإننا لا نعارض فكرة أن ثمة حدثًا كونيًّا عظيمًا وقع، لكن الاختلاف الجوهري هو في من يقف وراء هذا الحدث. فالمسلم يقرّ بأن الله هو الذي قدّر وأوجد ورتّب، بينما الملحد يجعل الانفجار نفسه بداية ومُبدِعًا، وكأن العدم صار خالقًا! وهنا مكمن الإشكال العقلي.
فالعقل يسأل أسئلة لا مفر منها:
الانفجار العظيم: انفجار ماذا؟
الانفجار لا يكون إلا لشيء موجود، والعدم لا يمكن أن ينفجر. فإن قيل بوجود مادة أولى: فمن أوجدها؟ وإن قيل لم يكن ثمة مادة، بل العدم نفسه هو الذي "انفجر"، فهذا باطل لأن العدم ليس له قابلية الوجود فضلًا عن الفعل.القوانين الفيزيائية: أقبل أم بعد؟
إذا كانت القوانين هي التي حكمت الانفجار، فهذا يعني أنها كانت موجودة قبله، أزلية قائمة بذاتها، وهو اعتراف ضمني بنظام أسبق من الكون نفسه. وإن قيل إنها ظهرت بالانفجار، فكيف يفسَّر حدوثه بلا قوانين تنظمه؟!العلة والمتغيّر:
كل تغير يحتاج إلى علة. فما الذي غيّر حال المادة المفترضة لتدخل في طور الانفجار؟ فإن قيل: لم يكن هناك سبب، فهذا نفي للعقل ذاته الذي يوقن أن لكل حادث سببًا.الزمان ومعضلة البداية:
هل وقع الانفجار في لحظة زمنية محددة؟ إن كان نعم، فهذا يقتضي أن الزمن كان موجودًا قبل الكون، وهو اعتراف بإطار أسبق. وإن كان الزمن نفسه بدأ مع الانفجار، فكيف يعقل أن نصفه بأنه "حدث" في غياب زمان يُدرك به الحدوث؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فلسفيًا، بل أساس العقل السليم: فلا شيء يوجد من غير موجد، ولا قانون بلا مشرّع، ولا حادث بلا سبب. ومن ثم ففكرة أن "الانفجار العظيم" هو المبدأ الأول بغير مسبب تقود في النهاية إلى تناقض منطقي، يحوّل النظرية من محاولة تفسير علمية إلى خرافة مغلفة بمصطلحات علمية.
وخاتمة القول:
الانفجار العظيم – إن صح وقوعه – فهو آية من آيات الله، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. لكن جعله خالقًا للوجود يناقض بداهة العقل: فلا شيء يخرج من لا شيء، ولا حادث بلا محدث، ولا قانون بلا مشرّع. بل إن تفسير الوجود بهذا النحو ليس علمًا، بل صورة أخرى من الأسطورة، لكنها مغطاة برداء العلم الحديث.
فالحق الباقي أن للانفجار – ولكل حادث – مُحدِثًا، وللقانون واضعًا، وللكون كله خالقًا حكيمًا. وكل محاولة لإنكار ذلك ما هي إلا هروب من بداهة العقل إلى خرافة منمقة.
تعليقات
إرسال تعليق