نقد دعوى الجهل في العلم الإلهي: قراءة فلسفية قرآنية مع بصيرة أهل البيت عليهم السلام

 

نقد دعوى الجهل في العلم الإلهي: قراءة فلسفية قرآنية مع بصيرة أهل البيت عليهم السلام

من أعجب الشُبهات التي يثيرها الملحدون – قديمًا وحديثًا – محاولتهم استغلال بعض العبارات القرآنية ليدَّعوا أنّ الله "كان يجهل ثم علِم". وهي فرية صريحة تناقض جوهر التوحيد الذي هو إيمانٌ بإلهٍ كامل الصفات، أزلي العلم، مطلق الإدراك، لا يحده زمان ولا يعتريه نقصان.

ومن جملة ما يستدلون به قول الله تعالى:

  • ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (الأنفال: 66)

  • ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: 140)

  • ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (المائدة: 94)

  • ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ (الأنفال: 23)

غير أن هذه القراءة السطحية للآيات، إنما تكشف سوء فهم لمعاني النصوص، إذ كل هذه المواضع إنما تتحدث عن تجلي العلم الأزلي لله في عالم الوقوع، لا عن "علم حادث" يُضاف إلى علم الله. فالذي يعلم أزلاً أن شخصًا ما سيؤمن – يختبره حتى يظهر إيمانه فعلاً، فيتضح للناس ويقوم عليه الحجة.


1- الدليل العقلي

العقل الصريح يحكم: إن الإله الذي يجهل ثم يعلم لا يكون إلهاً على الحقيقة، بل يكون ناقصاً متغيراً، مفتقراً إلى مَن يعلّمه. وهذا محال، لأن واجب الوجود لا يفتقر، والكمال الذاتي لا يعتريه نقصان.

الله هو الذي ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: 12) وهو الذي ﴿عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (الأنعام: 59). ولو كان علمه يتجدد عند حصول الأشياء، للزم أن يكون زمنياً، محكوماً بجريان الحدث، وحاشاه سبحانه أن يكون محكوماً. بل الحق أن الأشياء هي التي تجري وفق العلم الإلهي الأزلي.


2- الدليل النقلي من القرآن

  • ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 282)

  • ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ﴾ (الأنعام: 133)

  • ﴿وَلَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (يونس: 61)

فهذه النصوص تقطع بأن العلم الإلهي غير حادث، بل شامل أزلاً وأبداً.


3- كلمات أهل البيت (عليهم السلام)

ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي (ع):

«لا يخفى عليه خافيةٌ من خلقه في أقطار سماواته وأرضه، بل علمُه بالأشياء قبل كونها كعلمه بها بعد تكوينها.»

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان معنى "وليعلم":

«إن الله لم يزل عالماً بما يكون، فعلمه بالشيء قبل كونه كعلمه به بعدما يكون، وإنما يُبتلي العباد ليُظهر للخلق ما قد علمه الله منهم ليكونوا هم الذين يحجّون على أنفسهم.» (الكافي، ج1، ص 147)

فالآية ليس معناها أن الله كان يجهل، بل أن الابتلاء والوقائع تكشف ما في العلم الأزلي على مسرح الوجود، ليقوم به الحُجّة على الناس.


4- الفهم الفلسفي-الكلامي لـ"وليعلم"

العلم على نوعين:

  1. علم أزلي سابق (في الذات الإلهية: كاشف تام عن جميع الممكنات).

  2. علم تحقيقي مشهود (يتعلق بظهور ما علمه الله للملائكة والخلق عند الوقوع).

فـ "ليعلم" بمعنى: ليتحقق علمه الأزلي في مجال الشهود الإنساني. أي أن الله كان عالماً به قبل أن يوجد، لكن وجوده الفعلي صار تجلِّياً لما في علمه القديم.


5- الخلاصة والرد الفلسفي الساخر

القول بأن الله "يجهل ثم يعلم" مثل قول من يزعم أن الكاتب لا يعرف القصة حتى يكتبها على الورق. الحقيقة أن الكاتب يعلم القصة بفصولها قبل أن تسطرها يده، لكن ظهورها على الورق ليس زيادة في علمه، بل إظهار لما كان يعلمه.

وهكذا: الله سبحانه يعلم ما في الصدور قبل أن تُبتلى، ويعلم نتائج الامتحان قبل أن يُجرى، لكنه يُجريه ليظهر الحق للخلق، لا لأنه محتاج إلى ظهور جديد في علمه.


✅ النتيجة: هذه الشبهة الملحدة ليست إلا مغالطة في فهم اللغة القرآنية. فكل "ليعلم الله" في القرآن يراد به: ليُظهر ويُحقق علمه الأزلي في الوجود، وليقوم الحجة. فلا جهل هنا، بل قمة الكمال في العلم والحكمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن