هل يختار الله عبثًا … أم بحكمة بالغة؟

 

هل يختار الله عبثًا … أم بحكمة بالغة؟

من المسلَّمات العقلية والشرعية أن أفعال الله تعالى قائمة على الحكمة المطلقة والغاية السامية، لا على العبث أو العشوائية. يتجلى هذا المبدأ بوضوح في قضية الاصطفاء الإلهي، حيث لا يختار الله الأنبياء والأوصياء إلا بعناية فائقة، بناءً على علم مسبق بقدرتهم على حمل الأمانة العظمى وتحقيق الرسالة.

الأدلة العقلية والنقلية على مبدأ الاصطفاء

1. الدليل العقلي: الحكمة الإلهية

لعل من البديهي عقلاً أن لا يُوكل الخالق الحكيم أمور هداية البشرية إلى من لا يملك الكفاءة والأمانة القصوى. هذا يتنافى مع كمال الله وحكمته. لو كان الاصطفاء اعتباطيًا، لكانت الرسالة معرضة للفشل، ويصبح التكليف بلا معنى. لذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي اختيار الأكفأ والأصلح لضمان تحقيق الهدف من الرسالة.

2. الدليل التوقيفي

الاصطفاء هو فعل توقيفي من الله وحده، فلا يطلبه الإنسان ولا يكتسبه بجهده، بل هو هبة إلهية مبنية على العلم والحكمة. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام:124). وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية تؤكد أن الله يختار من يشاء بعلمه المطلق، دون أي تدخل بشري.

3. الأدلة النقلية من القرآن الكريم

يؤكد القرآن الكريم مبدأ الاصطفاء على أسس ثابتة، لا على المصادفة أو الاعتباط.

  • اصطفاء الأنبياء:

    • ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 33). هذه الآية دليل قاطع على أن الاصطفاء هو فعل إلهي مقصود ومبني على أساس متين.

  • الإمامة عهد وتكليف:

    • قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام تبين أن الإمامة ليست مجرد منصب يُمنح، بل هي مكافأة على نجاحه في الابتلاءات الإلهية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124). هذه الآية تثبت أن الإمامة عهد إلهي لا يُمنح للظالمين، مما يستلزم العصمة.

  • معيار الكفاءة والأمانة:

    • في قصة موسى عليه السلام، يُقر القرآن قاعدة "القوة والأمانة" كمعيار للاختيار، على لسان ابنة شعيب: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26). هذا المعيار ليس مجرد رأي شخصي، بل هو حكمة إلهية أقرها القرآن.

هل تنتهي سنة الاصطفاء بوفاة النبي ﷺ؟

إذا كان الاصطفاء سنة إلهية ثابتة منذ آدم حتى خاتم الأنبياء، فمن غير المعقول أن تتوقف هذه السنة بعد وفاة النبي محمد ﷺ. فالحاجة إلى الهداية والحافظ الأمين للدين لم تنقطع.

  • منذ طفولته: عناية الله بالنبي محمد ﷺ بدأت منذ صغره، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (الضحى: 6-8). هذه العناية الربانية تؤكد أن الرسالة كانت تهيئة مستمرة. فهل يُعقل أن تنتهي هذه العناية بوفاته، وتُترك الأمة بلا هادٍ أو وصي معصوم يضمن استمرارية حفظ الدين؟

  • مبدأ "الهادي":

    • يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: 7). هذه الآية تقرن "المنذر" بـ "الهادي". إذا كان النبي ﷺ هو المنذر، فمن هو الهادي بعده؟

    • أهل البيت يُفسرون هذه الآية بأن الهادي هو الإمام علي بن أبي طالب، وذلك بناءً على أحاديث نبوية مثل: «أنا المنذر، وعليّ الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون بعدي». وهذا يرسّخ فكرة استمرار الهداية الإلهية عبر أئمة معصومين بعد النبي.

  • "ومن عنده علم الكتاب":

    • القرآن الكريم يذكر شاهدًا آخر على صدق النبي ﷺ وهو من عنده علم الكتاب: ﴿...وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 43).

    • يجمع العديد من مفسري أهل السنة والشيعة على أن هذا الشخص هو الإمام علي بن أبي طالب، لما له من معرفة معمقة بالكتاب وشهادة صدق النبي.

أسئلة منطقية لا يمكن تجاهلها

  1. هل يُعقل أن يترك الله أمته بلا وصي معصوم بعد النبي الخاتم؟

  2. هل تنقطع سنن الحكمة الإلهية فجأة بعد انتقال الرسالة، لتُترك الأمة لمصالح بشرية متذبذبة؟

  3. كيف يُترك الدين والثقافة الدينية ممزقةً بين الهوى البشري؟

  4. إذا كانت الإمامة ضرورية لحفظ الدين في آخر الزمان (بظهور المهدي)، فكيف تُركت الأمة بدونها في بدايته، وهي الفترة الأكثر عرضة للفتن والانحراف؟

الخلاصة

مبدأ الاصطفاء ليس مجرد حدث عابر، بل هو سنة إلهية مستمرة تضمن بقاء الدين الحق واستقامته. فالله لا يترك عباده بلا هادٍ أمين في أي زمان. من آدم إلى المهدي، تجري سنة الله في أن يختار الأقدر والأكمل لحمل الأمانة، مما يؤكد أن الله لا يختار عبثًا، بل بحكمة بالغة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن