اليماني: بين العلامة والعقيدة
اليماني: بين العلامة والعقيدة
تمهيد: الموعود هو الإمام لا العلامة
إن قضية الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري عليه السلام هي عقيدة أصيلة في الإسلام، ثابتة بالقرآن الكريم والسنة المعتبرة. إنها وعد إلهي بملء الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت ظلمًا وجورًا، وهو ما يعبّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].
فالظهور المهدوي هو الوعد الموعود، وهو جوهر العقيدة، وليس العلامات أو الأشخاص الذين يمهّدون له. من المهم جدًا تمييز المفاهيم: الموعود هو الإمام المهدي وحده، لا سواه من العلامات. فالقرآن الكريم لم يشر إلى أي شخصية غيره في مقام الوعد، بل حصر الوراثة والتمكين بالقائم المنتظر. كما أن الروايات لم تذكر أن لقب "الموعود" أُعطي لليماني أو لغيره من العلامات.
الفرق بين الموعود والعلامة واضح: الإمام هو الغاية والوعد، أما اليماني فمجرد علامة تشير إلى قرب تحقق الوعد. الخلط بينهما يشبه الخلط بين الفجر الكاذب والفجر الصادق؛ الأول دلالة، والثاني حقيقة. فلو كان اليماني موعودًا، لوردت نصوص قطعية ترفع مقامه إلى مستوى الإمامة، وهذا لم يقع.
موقع اليماني في النصوص الشرعية
إن اليماني ليس إلا علامة من علامات اقتراب الوعد الموعود لظهور قائم آل محمد الحجة بن الحسن عليهما السلام. تريدون أن تجعلوا من اليماني عقيدة؟ فهذا تهريج وخرافة. فاليماني علامة، والأمر باتباعه لكونه أهدى الرايات إن خرج، وهذا لا يعني استقلاليته برايات الهدى وإلا لما كان أهداها. ولم يكن في النص لأصحاب الرايات الأخر أن يتبعوا اليماني، بل كان الأمر للمتحيرين الذين لا يعرفون أو لا يميزون الرايات ولا يعرفون مع أي راية يقفون. من هنا جاء توجيه الأئمة ليقيم لهم البوصلة وليعلم أيضًا البقية أن أي راية تحارب راية اليماني هي على الباطل، كما كان عمار بن ياسر رضوان الله عليه علامة تقتله الفئة الباغية، فكذا اليماني، من يحاربه الأكيد أنه راية ضلال.
إذن، دوره وظيفي وإرشادي، لا قيادي مستقل، وهو:
تمييز الحق من الباطل: يرفع راية الحق في زمن تكثر فيه الرايات المتناحرة، فيصبح بوصلة للمتحيرين.
الدعوة إلى الإمام المهدي: وظيفته الأصلية هي التمهيد للإمام، والدعوة إلى نصرته ونصرة قضيته، وليس الدعوة إلى نفسه.
نقض دعوى أحمد الحسن بالأدلة العقلية والنقلية
ثم تأتون وتقولون إن أحمد الحسن هو اليماني، فعلى أي حجة تقفون؟ إن هذه الدعوى تصطدم بعقبات لا يمكن تجاوزها، منها:
1. التناقض مع توقيت الروايات:
خروج الرايات الثلاث في يوم واحد: النصوص المعتبرة نصّت على أن خروج اليماني والسفياني والخرساني يكون في يوم واحد وشهر واحد وسنة واحدة. فأين هذه الرايات؟ إن أحمد الحسن ادعى ما ادعاه ثم اختفى بعد سنين طويلة من ادعائه، ولم يظهر الإمام المهدي.
الفترة الزمنية بين اليماني والإمام: ذكرت بعض الروايات أن الفاصل بين خروج اليماني وخروج الإمام عليه السلام تسعة أشهر، وبعدها امتد لثمانية عشر شهرًا. في حين أن أحمد الحسن خرج من أكثر من عشرين سنة، ولم يخرج الإمام المهدي عليه السلام.
2. التناقض مع وظيفة اليماني:
اليماني يدعو للإمام: إن حركة اليماني مبنية على أنه يدعو الناس لمناصرة الإمام المهدي، ويعرّف الناس به وبدولته وبحركته حتى إذا خرج لم يتلبسوا في أمره.
أحمد الحسن يدعو لنفسه: فماذا فعل أحمد الحسن وجماعته سوى أنهم وحتى الساعة كرسوا أنفسهم للدعوة لاتباع أحمد الحسن وجعله تارة إمامًا وتارة اليماني وتارة أنه معصوم وأنه أحد أحفاد الإمام المهدي وأنه وصي. في حين أن الوصي لا يكون إلا إمامًا ابن إمام. هذا التناقض الجذري بين الوظيفة المعلنة والوظيفة المطبقة هو دليل على بطلان الدعوى.
3. الاستدلال العقلي والنقلي:
نقليًا: لم يرد نص معتبر يرفع اليماني إلى رتبة الإمامة أو العصمة، بل غاية ما قيل فيه أنه "راية هدى" وعلامة مميزة. فالقول بعصمته أو إمامته هو قول على الله بغير علم.
عقليًا: لو فُرض أن لليماني مقام الإمامة، لاختلّ نظام العقيدة الذي حُصر في اثني عشر إمامًا منصوصًا عليهم. فإضافة إمام آخر باطل نصًا وعقلًا، لأن الأئمة الاثني عشر هم أوصياء النبي محمد صلى الله عليه وآله، وهم امتداد للنبوة.
خاتمة: الوعد هو الغاية، والعلامة هي الوسيلة
الإمام المهدي عليه السلام هو الموعود الحق الذي نصّ عليه القرآن والنبي صلى الله عليه وآله، وهو الغاية والمقصد. اليماني علامة ممهدة، يقوم بدور البوصلة للمتحيرين، وليس عقيدة أو إمامًا جديدًا.
إن تحويل العلامة إلى أصل من أصول الدين أو مساواتها بالموعود هو مسلك باطل، يعكس سوء فهم للنصوص ويُضل الناس عن جوهر العقيدة. الادعاءات المنحرفة، كدعوى أحمد الحسن، تسقط أمام وضوح الروايات والنصوص، وتبقى مجرد انتحال لا قيمة له أمام المعيار النقلي والعقلي.
وبهذا يبقى الطريق واضحًا: التمسك بالإمام الموعود الحجة بن الحسن عليه السلام، وانتظار ظهوره بالثبات على الولاية، لا بالانجراف وراء دعاوى بلا برهان.
تعليقات
إرسال تعليق