هل الانسان مخير أم مسير ؟.

 يعدّ السؤال عن الحرية الإنسانية من أقدم وأعمق الأسئلة الفلسفية التي شغلت الفكر البشري. فمن جهة، يشعر الإنسان بقوة الإرادة والقدرة على اتخاذ القرارات، ومن جهة أخرى، يواجه حتميات لا مفر منها تُقيد حريته وتُحدد مساره. هذا التناقض الظاهري هو جوهر الجدل الفلسفي والديني حول ما إذا كان الإنسان مُسيَّرًا أم مُخيَّرًا.


حتميات الوجود: قيود تُشكلنا

لننظر أولًا إلى الجانب الذي يجعلنا نعتقد أننا مُسيَّرون. منذ اللحظة الأولى لوجودنا، نجد أنفسنا في عالم محكوم بقوانين فيزيائية لا نملك السيطرة عليها. لا نختار مكان ولادتنا، ولا والدينا، ولا حتى ملامحنا الجسدية أو قدراتنا الذهنية. هذه هي الحتميات الوجودية التي تُشبه أرضية صلبة نُلقى عليها.

على سبيل المثال، لا يمكن لأحد أن يختار أن يطير كطائر دون استخدام آلة، لأن قوانين الجاذبية تفرض نفسها. وبالمثل، لا يملك الإنسان خيارًا في كيفية عمل قلبه أو دماغه. هذه الأمور تُسمى الأسباب التكوينية، وهي ليست مجرد قيود، بل هي الشروط التي تُمكن وجودنا وتُحدد حدود إمكاناتنا. فكما أن النهر لا يمكنه أن يختار مجرىً لا ينحدر فيه، فإننا لا يمكننا أن نختار مسارًا يتعارض مع القوانين الأساسية للكون. حتى خياراتنا الظاهرية، مثل السير في طريق معين، هي في الواقع خضوع لشرط أساسي: وهو أن هذا الطريق هو السبيل الوحيد للوصول إلى وجهة محددة.

فمن يزعم الحرية المطلقة هو أشبه بمن يظن أنه حر في الحركة داخل غرفة مغلقة، بينما يغفل عن أن وجوده داخل هذه الغرفة هو بحد ذاته قيد. قوانين الطبيعة، البيولوجيا، وحتى علم النفس، كلها تُشكل إطارًا لا يمكننا التحرر منه بشكل كامل.


وهم الحرية؟ بين الخيار والنتيجة

لكن هل هذا يعني أننا مجرد دمى يحركها القدر؟ هنا يأتي دور الجانب الآخر من المعادلة: القدرة على الاختيار في نطاق معين.

أولًا، في الجانب التشريعي: سواء كانت هذه التشريعات سماوية (كالأديان) أو وضعية (كالقوانين المدنية)، فإنها تُقدم للإنسان خيارات واضحة مع عواقب محددة. على سبيل المثال، قانون المرور يفرض علينا الالتزام بالسرعة المحددة، ولكننا نملك حرية اتخاذ قرار مخالفته. هذا الاختيار ليس وهمًا، ولكنه يأتي بثمن. فمخالفة القانون قد تؤدي إلى حادث، والإنسان هنا ليس مُجبرًا على الحادث، بل هو مُجبر على مواجهة النتيجة التي تنتج عن اختياره. وبالتالي، فإن الحرية هنا ليست في التحرر من القوانين، بل هي في تحمل مسؤولية الخيار.

ثانيًا، في الجانب الأخلاقي: يمكننا أن نضرب مثلًا بالمثلث الذي يجب أن تكون زواياه الثلاث متساوية ليكون مثلثًا متساوي الأضلاع. هذا هو قدره الرياضي، فليس له خيار آخر. ولكن الإنسان ليس مثلثًا، بل هو كائن يتمتع بقدرة على التفكير والتأمل في النتائج. إن القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، واتخاذ قرار بناءً على هذا التمييز، هي ما يميزنا. فإذا كان هناك شخص مُخير بين أن يكذب أو يقول الصدق، فإن اختياره لن يكون وهميًا، بل سيكون له تأثير حقيقي على واقعه وعلاقاته.


العلم الإلهي لا يُلغي الاختيار

أما عن الجانب الديني الذي يرى أن كل شيء مكتوب ومقدر، فهل يتعارض هذا مع فكرة الاختيار؟ الجواب الفلسفي والديني هو: لا.

العلم الإلهي ليس قوة تجبرنا على الفعل، بل هو علم شامل ومحيط بكل شيء. الله يعلم ما سيحدث لأنه يعلم طبيعة الأشياء، ويعلم اختياراتنا قبل أن نتخذها. هذا العلم لا يلغي الاختيار، بل هو أشبه بالعالم الذي يرى مسار الحجر الذي سقط من الجبل، فهو يعلم أين سيصل الحجر لأنه يعلم قوانين الفيزياء، لكنه لم يُجبر الحجر على السقوط.

بالمثل، فإن علم الله بما سنفعله هو عِلمٌ بالشيء، لا إجبارٌ عليه. فالاختيار يظل موجودًا، والمسؤولية تقع على عاتق الإنسان نفسه، لأن النتيجة هي ثمرة لخياره الحر.


في نهاية المطاف، يبدو أن الجواب ليس بسيطًا. الإنسان ليس مُسيرًا بشكل مطلق، ولا مُخيرًا بشكل مطلق. إنما نحن نعيش في منطقة وسطى: حريتنا مقيدة بحتميات الوجود، لكن في إطار هذه الحتميات، نملك قدرة حقيقية على اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها.

هل يمكننا القول إن الإنسان هو صانع مصيره داخل الحدود التي رسمها له الكون؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن