دراسة موسَّعة حول مسألة "هدم الكعبة" في الروايات وعلاقته بقيام القائم عجل الله تعالى فرجه
دراسة موسَّعة حول مسألة "هدم الكعبة" في الروايات وعلاقته بقيام القائم عجل الله تعالى فرجه
المقدّمة
ارتبطت شخصية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الوعي الإسلامي بوظيفة الإصلاح الشامل وإعادة الدين إلى صفائه الأصيل. غير أنّ بعض الروايات المتفرقة تحدثت عن "هدم المسجد الحرام" أو "إرجاعه إلى أساسه" عند قيامه، مما أثار محاور نقاش واختلاف في الفهم. وفي المقابل، روت نصوص صحيحة أنّ "ذا السويقتين" يهدم الكعبة في آخر الزمان. هذا البحث يروم دراسة هذه المسألة من منظور قرآني وحديثي وتاريخي، مع التمييز بين النصوص، والوقوف على الدلالات العقائدية.
المبحث الأول: الدلالة القرآنية
قداسة البيت في القرآن:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: 26].
وقال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97].
→ تدل هذه الآيات على أن الأصل في الكعبة الطهارة، وأن البناء الإبراهيمي هو الأساس الشرعي.
أصل إعادة الأمور إلى نصابها: الإصلاح المعماري على قواعد صحيحة لا ينافي قداستها، بل يؤكدها، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله في إصلاح المسجد النبوي مرارًا.
المبحث الثاني: الروايات المتعلقة بالقائم
رواية الإمام الصادق عليه السلام:
"إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، وحوّل المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة...".
تحليلها:
الهدم ليس للتخريب، بل "للإرجاع إلى الأساس".
المقصود بـالتغيير: موضع مقام إبراهيم، لا الكعبة ذاتها.
العقوبة لبني شيبة تعني إنهاء سلطة الاستغلال الرمزي للحرم، بعد أن امتلكوا مفاتيحه بلا استحقاق شرعي.
المناقشة السندية: الرواية مرسلة، لم يُذكر رجال إسنادها كاملًا، مما يُضعف حجيتها القطعية. نعم، يمكن قبول دلالتها الإرشادية مع ضمائم قرائن أخرى.
المبحث الثالث: روايات "ذي السويقتين"
ورد في صحيح مسلم وغيره: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة..."
وصفه النبي صلى الله عليه وآله بأنه يهدم الكعبة عدوانًا بجيشه.
هذا الحدث خارج عن فعل القائم، ويقع في سياق الفتن قبيل قيام الساعة.
الفارق الجوهري:
فعل القائم: إصلاحي، لإرجاع البناء الإلهي إلى أصله.
فعل ذي السويقتين: تخريبي، عدواني، لهدم قدسية الكعبة.
المبحث الرابع: الشواهد التاريخية
الكعبة عُمرت مرارًا:
على يد إبراهيم وإسماعيل.
بعد انهدامها في طوفان قريش قبل البعثة، حيث شارك النبي صلى الله عليه وآله في تجديد بنائها.
أعيد بناؤها بعد حريق وخراب في العهد الأموي والعباسي.
→ فإعادة البناء جزء من تاريخ البيت وليست مسًّا بقداسته.
المبحث الخامس: توظيف النصوص في دعاوى الانحراف
بعض المدّعين للمهدوية في العصر الحديث – ومنهم من يُشار إليه في الوسط الشيعي بلقب "دجال لندن" – يستغلون هذه الروايات المرسلة ليدَّعوا لأنفسهم موقع القائم.
لكن سلوكهم العملي (ترك الصلاة، تزوير النصوص، الطعن بالمراجع) يناقض صريح وظيفة المهدي الذي هو حارس الشريعة لا ناقضها.
هذا يكشف أن استدعاء هذه النصوص عندهم هو توظيف دعائي لا استدلال علمي.
الخاتمة والنتائج
الرواية المنسوبة إلى الإمام الصادق عليه السلام لا تدل على تخريب الكعبة، بل على إرجاعها إلى أصلها الإبراهيمي.
الرواية مرسلة سندًا، فلا يعتمد عليها وحدها، وإن أمكن تقريب معناها بضمائم النصوص القرآنية والتاريخية.
التفريق واجب بين "هدم القائم" (الإصلاح) وبين "هدم ذي السويقتين" (التخريب العدائي).
التلاعب بهذه النصوص من قبل بعض الأدعياء إنما هو تحريف للمعنى واستغلال لعاطفة الناس.
العقيدة في المهدي عجل الله تعالى فرجه تؤكد أنه المصلح الأكبر، الجامع لشريعة جده المصطفى صلى الله عليه وآله، لا ناقضها.
تعليقات
إرسال تعليق