علم الغيب: خصائص الربوبية ومقامات النبوة
علم الغيب: خصائص الربوبية ومقامات النبوة
إن مسألة علم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بالغيب من القضايا الدقيقة التي تستوجب تدقيقاً عقلياً وشرعياً لضبطها في إطارها الصحيح. المقاربة الصحيحة لهذه المسألة تبدأ من حقيقة أساسية: أن العلم المطلق بالغيب هو صفة خاصة بالله تعالى، لا يشاركه فيها أحد.
1. الاستدلال على حصر علم الغيب المطلق بالله تعالى
يُعد القرآن الكريم المصدر الأقوى لحسم هذه المسألة، حيث نصت آيات عديدة بصراحة ووضوح على أن العلم المطلق بالغيب من مختصات الألوهية:
القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: 65). هذا النص قاطع في حصر علم الغيب المطلق بالله تعالى، ولا يترك مجالاً لأي تأويل، فـ"ال" في كلمة "الغيب" هنا للاستغراق والشمول، أي كل ما يُعد غيباً.
وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: 59). مفاتح الغيب هي كنوز الغيب وأصوله التي لا يمكن الإحاطة بها. هذه الآية تؤكد أن أصول الغيب ومصادره الأساسية لا يطلع عليها أحد سواه.
الدليل العقلي: العلم المطلق هو صفة للذات اللامحدودة. بما أن الله تعالى هو الذات اللامحدودة، فمن المستحيل عقلاً أن يحيط مخلوق محدود، مهما علا شأنه، بعلم غير محدود. إذن، لا يمكن أن يكون علم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) مطلقاً.
2. الاستدلال على أن علمهم بالغيب هو علم مكتسب ومحدود
بعد إثبات أن علم الغيب المطلق لله وحده، ننتقل إلى طبيعة علم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام). هذا العلم هو علم إلهي مُعطى، وليس ذاتياً.
القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن: 26-27). هذه الآية هي بمثابة ميزان دقيق؛ فهي تؤكد أن الأصل هو عدم اطلاع أحد على الغيب، لكنها تستثني "مَن ارتضى من رسول"، وهذا الاستثناء يؤكد أن اطلاعهم على الغيب ليس ذاتياً، بل هو بفضل وإرادة من الله تعالى.
قصة موسى والخضر (عليهما السلام): في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65)، نجد دليلاً قوياً على أن الله قد يخص بعض عباده بعلم لا يطلّع عليه حتى الأنبياء. فما كان يعلمه الخضر من أسرار غيبية لم يكن في علم موسى الكليم، وهذا يُبين أن العلم بالغيب هو علم مُعطى ومُقيد بالمصلحة التكليفية والوظيفة الإلهية.
الأحاديث والروايات:
حديث "أنا مدينة العلم وعلي بابها" وقول الإمام علي (عليه السلام): "علمني رسول الله ألف باب من العلم، يفتح لي من كل باب ألف باب"، كلها تدل على أن العلم درجات، وأن علم الأئمة هو علم مستلهم من النبي (صلى الله عليه وآله)، وليس علماً ذاتياً أو مطلقاً.
3. الحكمة من حجب بعض الغيب: تدبير إلهي وحكمة ربانية
حجب الله لبعض الغيبيات عن خلقه ليس نقصاً في علمه، بل هو تدبير إلهي وحكمة بالغة تخدم كلاً من الناس العاديين والأولياء على حد سواء، وإن اختلفت أسباب الحجب.
حكمة الحجب عن الناس العاديين: لو اطلع الإنسان العادي على غيبيات حياته، كزمان موته، أو ما سيواجهه من مصائب وألم، لاضطربت حياته واختل توازنه النفسي. جهله بهذه الأمور هو رحمة إلهية تحفظ عليه استقراره، وتدفعه للعمل والتفاؤل.
حكمة الحجب عن الأنبياء والأئمة: أما الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، فقد يختار الله أن يُخفي عنهم بعض الأمور لحِكَم بالغة، منها:
الامتحان والابتلاء: قد تُحجب بعض الأمور ليمتحن الله بها المؤمنين حولهم، كما حدث في حادثة الإفك، حيث كانت الحكمة الإلهية في عدم علم النبي (صلى الله عليه وآله) المسبق بتفاصيلها اختباراً للمسلمين وتبياناً للصفوف.
كمال التكليف: قد يكون عدم علمهم ببعض الأمور جزءاً من إتمام تكليفهم، كما في قصة المنافقين الذين لم يكن النبي يعلمهم كلهم، وهذا لم يخل بعصمته ولا بوظيفته النبوية، بل كانت المصلحة في عدم معرفتهم المسبقة ليبقى الباب مفتوحاً للتوبة لمن أراد، ولتُقام الحجة على الجميع.
البداء: مفهوم البداء في الفكر الشيعي يؤكد أن علمهم ليس مطلقاً. فالله تعالى يغير ما في "اللوح المحو" و"الإثبات" بحسب إرادته وحكمته، وهذا الغيب المتغير لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى.
خلاصة القول
إن علم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بالغيب هو علم لدني، نسبي، ومكتسب؛ فهو منحة إلهية مقيدة بما تقتضيه المصلحة الرسالية والتكليف الشرعي. هذا الإطار لا يقلل من عظيم شأنهم ورفيع مقامهم، بل يؤكد توازن الاعتقاد بين إثبات فضلهم وكرامتهم من جهة، وبين حفظ مقام الربوبية لله وحده من جهة أخرى، فهو وحده من يُحيط علماً بالغيب المطلق.
تعليقات
إرسال تعليق