عاشوراء: إحياء لروح الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 


عاشوراء: إحياء لروح الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تتجاوز الشعائر الحسينية في أيام عاشوراء، وكذلك خارجها، مجرد الذكرى التاريخية لتشمل إحياء مبادئ وقيم جوهرية أسس لها الإمام الحسين (عليه السلام) بثورته الخالدة. إنها ليست مجرد طقوس وشعائر عاطفية، بل هي دعوة متجددة للعمل والإصلاح في الأمة، وتطبيق عملي لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


المنبر الحسيني: منارة للإصلاح الاجتماعي

يُعدّ المنبر الحسيني أحد أبرز الأدلة والشواهد على إحياء شعيرة الإصلاح في الأمة. عندما يرتقي الخطيب المنبر في أيام عاشوراء أو في المناسبات الأخرى، لا يقتصر حديثه على سرد الفاجعة الأليمة، بل يتعداه إلى تناول قضايا الأمة والمجتمع الراهنة. إنه يطرح التحديات المحورية، ويحثّ أهل الاختصاص على الاهتمام بها، واقتراح الحلول المناسبة، وبيان الرأي الديني والشرعي تجاهها. هذا الفعل بحد ذاته هو إحياء عملي لمبدأ الإصلاح. فكل صاحب اختصاص، سواء كان طبيباً، مهندساً، معلماً، أو رجل أعمال، يسعى إلى الإصلاح في مجال تخصصه، هو في الحقيقة يجسد هذه الشعيرة ويُعدّ مصداقاً حياً لإحيائها. فالإصلاح ليس حكراً على فئة معينة، بل هو مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل فرد في المجتمع.


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: صمام أمان الأمة

على غرار الإصلاح، تُحيي الشعائر الحسينية شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فخطاب الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن محض خطاب سياسي، بل كان دعوة للإصلاح الشامل الذي يشمل الجوانب الأخلاقية والاجتماعية. الشواهد على ذلك عديدة في الشعائر الحسينية، فالمجالس الحسينية غالباً ما تشتمل على توجيهات أخلاقية ودعوات لترك المنكرات والالتزام بالفضائل. عندما يدعو الخطيب أو الرادود (الناعي) الناس إلى الصدق، الأمانة، الإحسان، ومقاومة الظلم والفساد، فإنه يمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعندما يرى المعزّون في سيرتهم وسلوكهم بعد المجالس انعكاساً لهذه المبادئ، فإنهم يكونون قد أحيوا هذه الشعيرة بشكل فعال.


موقف الإمام الحسين: الثبات على الحق ورفض الذل

تُعدّ مقولة الإمام الحسين (عليه السلام): "مثلي لا يبايع مثله" من أعمق الشواهد على إحياء شعيرة الثبات على الحق ورفض الباطل. هذا الموقف ليس مجرد رفض شخصي، بل هو إعلان مبدأي بأن من يقف مع الحق لا يمكن أن يبايع أهل الباطل أو يؤيد أفعالهم. لأن في ذلك تقوية للباطل ومنحه شرعية. وأوضح الإمام الحسين (عليه السلام) هذا المبدأ بكلماته الخالدة التي تُرّدد في المجالس الحسينية: "ألا وإنّ الدعي بن الدعي ـ قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وحجور طهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبّية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر." هذه الكلمات ليست مجرد بيان تاريخي، بل هي دعوة للكرامة والشموخ ورفض الاستسلام للظلم مهما كانت التحديات. إن إحياء هذه الشعيرة يعني غرس روح العزة والإباء في نفوس الأمة، وتذكيرها بأن التنازل عن المبادئ ليس خياراً، وأن الكرامة أغلى من الحياة.


إحياء الليل بالعبادة: عمق الروحانية الحسينية

من الشعائر الجليلة التي أحياها الإمام الحسين (عليه السلام) هي إحياء الليل بالصلاة والدعاء والعبادة. فقبل ليلة العاشر من المحرم، طلب الإمام من أصحابه أن يمضوا ليلتهم في الدعاء والتضرع لله. هذه الشعيرة تُحيا أيضاً في الكثير من المآتم والمساجد في ليالي عاشوراء، حيث يُخصص جزء من الليل للعبادة والدعاء، مما يعمق الجانب الروحاني لدى المحبين ويذكّرهم بأن الثورة الحسينية لم تكن مجرد حركة سياسية، بل كانت حركة متجذرة في الإيمان والتوكل على الله.


الفرق بين ذكرى الفاجعة وإحياء الشعائر: تكامل لا تناقض

يجب التمييز بوضوح بين إحياء ذكرى واقعة الطف والبكاء والجزع على مصاب الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، وبين إحياء شعائر الإمام الحسين التي استشهد من أجلها. كلاهما مهم والجمع بينهما هو الصواب. فلا يصح أن نحيي ذكرى الواقعة ونبكي ونجزع على الإمام الحسين، ونتغافل في الوقت نفسه عن الشعائر والمبادئ التي ضحى من أجلها. من الخطأ الفادح أن تكون أفعال البعض أقرب لأفعال أعداء الإمام الحسين بارتكاب المنكرات وترك المعروف والفساد في المجتمع، فهذا يتنافى كلياً مع مبادئ الإمام وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين قالوا: "أحيوا أمرنا" و "كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا علينا" و "كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم". إن إحياء ذكرى عاشوراء يجب أن يكون دافعاً للتحول نحو الأفضل، والتزاماً عملياً بقيم الحق والعدل والإصلاح، وتجسيداً للمثل العليا التي استشهد الإمام الحسين في سبيلها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن