التقليد في الأحكام الشرعية: بين الأصل والمعضلة
التقليد
في الأحكام الشرعية: بين الأصل والمعضلة
التقليد في الأحكام الشرعية مسألة محورية في الفقه الإسلامي،
خاصة في المذهب الشيعي، حيث تُعد طاعة المعصوم (الرسول الأكرم والأئمة الأطهار)
واجبة وأساسًا لا ينفك عنه المسلم. الأصل في التقليد، بمعناه الأولي، هو
أمر مشروع بل وضروري، فحين يتبع المكلف قول المعصوم أو فعله، فإنه يفعل ذلك عن حجة
قاطعة؛ لأن فعل المعصوم وقوله يمثلان الحجة الشرعية علينا. وهذا يعني أن الأفعال
والأقوال التي تصدر من المقلِّد وتوافق ما أمر به المعصوم أو فعله، تكون في عهدته
ومسؤوليته، وهو ما يُعرف بالتقليد للمعصوم.
تحديات فهم مراد المعصوم
لكن حتى مع اتباعنا للمعصوم، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن ما
نقوله أو نفعله يوافق تمامًا عمل المعصوم أو مراده. فقد نفهم من قول المعصوم شيئًا
وهو يريد شيئًا آخر، ففهم النصوص الشرعية ليس بالأمر الهين. في هذه الحالة، يجتهد
المكلف في فهم مراد المعصوم لأداء عمله الشرعي على الوجه الصحيح. فإذا التبس عليه
الأمر وكان من الممكن الرجوع إلى المعصوم وسؤاله، أو لتصحيح فهمه، فمن الطبيعي
والواجب أن يعود إليه.
التقليد عند غياب المعصوم: ضرورة العودة للمجتهد
ولكن ماذا لو كانت العودة إلى المعصوم متعذرة، إما لغيابه (كما
في عصرنا الحالي مع غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه)، أو لبعد المسافة وصعوبة
الوصول إليه؟ هنا تبرز ضرورة التقليد للمجتهد.
من الطبيعي جدًا أن يعود المكلف إلى الشخص الثقة المتفقه في
علوم أهل البيت؛ ليبين له مراد المعصوم. وهذا لا يعني أن كل ما يقوله هذا
المتفقه موافق للواقع وحقيقة مراد المعصوم، إذ قد يخطئ أو يلتبس عليه فهم قول
المعصوم.
إلا أن احتمالية موافقة فهمه لمراد المعصوم أكبر بكثير من
احتمالية فهم الشخص العامي غير الملم باللغة العربية، والذي لم يقرأ إلا بضع
روايات، وربما لا يجيد قراءة القرآن الكريم فضلًا عن الإلمام بمضامينه.
شواهد وأدلة على مشروعية تقليد المجتهد
إن العودة إلى شخص لديه علم ومعرفة بالقرآن، وروايات أهل البيت،
وبأسانيد الروايات، وباللغة العربية، وغيرها من العلوم الدينية، ويعرف بعدالته
وورعه وتقواه، هو السبيل الأرجح لاحتمالية الوصول إلى مراد المعصوم.
من الشواهد الدالة على مشروعية تقليد المجتهد ما ورد عن أهل
البيت عليهم السلام، ومنها مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق عليه
السلام، حيث قال: "أما من كان من الفقهاء قد صان نفسه، وحفظ دينه، وخالف
هواه، وأطاع أمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه". هذا الحديث الشريف يؤسس لمشروعية
الرجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط، ويدل على أن التقليد ليس محصورًا في المعصوم
عند تعذر الوصول إليه.
كما أن مبدأ الاجتهاد نفسه، وهو بذل الوسع لاستنباط
الحكم الشرعي من مصادره، يستلزم وجود من يقوم بهذا الدور، وحيث لا يمكن لكل عامي
أن يجتهد، يصبح تقليد المجتهد ضرورة عقلية وشرعية. فإما أن يجتهد الإنسان بنفسه في
فهم النصوص الشرعية والعلوم المرتبطة بها ليصل إلى مراد المعصوم وفهم الحكم
الشرعي، أو أن يعود إلى شخص اجتهد وشهد الناس له بعلمه من ذوي الاختصاص، بل
بأعلميته.
التقليد للمعصوم والتقليد للمجتهد: فرق جوهري
إذاً، فالتقليد لا ينفك بل هو واجب للمعصوم. أما تقليد العالم المجتهد فهو تقليد بالعرض؛
لتعلق الأمر باحتمالية أن ما يقوله موافق أو يحتمل إصابته لقول المعصوم. فالاجتهاد
مطلب، فهو إما أن يكون من الشخص نفسه أو من غيره في الوصول إلى ما جاء في القرآن
وأقوال المعصومين، ثم يعمل المكلف بحسب فهمه أو فهم المتخصص الأعلم.
نقاش حول رفض التقليد
إن من يرفض التقليد بشكل مطلق دون تحديد موانعه، وليس لديه دليل
قاطع بحرمة تقليد غير المعصوم، بل يحاول فرض فهمه لبعض الروايات، ويطلب من الآخرين
تقليده في فهمه الذي يريد به إلغاء تقليد غيره، فإنه يقع في تناقض. فهو يجيز لنفسه
الاجتهاد ويوجب على غيره تقليده في ما يناقض فعله، وهذا أمر غير منطقي وغير مستند
إلى دليل شرعي مقنع.
إن مسألة التقليد، إذن، هي حل عملي وضروري للعامة الذين لا
يمتلكون الأدوات الكافية لاستنباط الأحكام الشرعية، وهي تضمن استمرارية تطبيق
الشريعة في كل زمان ومكان.
تعليقات
إرسال تعليق