الله منزه عن المكان والجهة والجسمية
الله منزه عن المكان والجهة والجسمية
يُعدّ الإيمان بتنزيه الله تعالى عن المكان والجهة والجسمية من أهم العقائد الإسلامية التي تتفق عليها غالبية المذاهب. إن القول بأن الله تعالى له مكان أو جهة محددة، أو أنه جسمٌ يَحلّ في مكان، يتنافى مع كماله المطلق ووحدانيته، ويوقِعُنا في تشبيه الخالق بالمخلوق.
مغالطة إثبات المكان لله
إن من يثبت المكان لله تعالى، يلزمه إثبات الجهة (فوق، تحت، يمين، يسار) والحدّ (بداية ونهاية). وهذا يقود حتمًا إلى تجسيم الله تعالى، أي وصفه بصفات الأجسام المخلوقة، كالحجم والشكل والحركة. فالمكان هو حيّزٌ يشغله الجسم، والجهة هي اتجاه الجسم في هذا الحيز. وإذا كان الله تعالى جسمًا، فهذا يعني أنه مخلوق، ويحتاج إلى خالق، وهذا دور لا نهاية له من التسلسلات الباطلة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن إثبات المكان لله تعالى يطرح أسئلة جوهرية: هل كان المكان موجودًا مع الله أزلاً؟ أم أن الله خلقه ثم حلّ فيه؟ كلاهما باطل. فإذا كان المكان أزليًا مع الله، فهذا يعني وجود شريك له في الأزلية، وهو أمرٌ منافٍ للتوحيد. وإذا كان الله قد خلق المكان ثم حلّ فيه، فهذا يعني أن الله كان بلا مكان قبل أن يخلقه، ثم أصبح يحتاج إليه، وهذا يناقض كماله واستغنائه عن خلقه.
فهم خاطئ لآيات الاستواء
يستشهد البعض بقوله تعالى: (
) (طه: 5) لإثبات أن الله تعالى موجود "فوق" العرش بذاته. ولكن هذا الفهم يتعارض مع آيات أخرى وأصول التوحيد. فلفظ "استوى" في اللغة العربية له معانٍ متعددة، منها: علا، ارتفع، استقر، قصد، تمّ. والسياق القرآني هو الذي يحدد المعنى المراد.
عندما نعود لآيات أخرى، نجد أن التفسير الذي يثبت المكان لله لا يستقيم. فمثلاً، قوله تعالى: (
) (البقرة: 29). هل تعني هذه الآية أن الله تعالى تنقل من مكان إلى مكان، فكان في الأرض ثم انتقل إلى السماء؟ هذا الفهم يُلزِمُنا بأن الله كان في "مكان" الأرض ثم انتقل إلى "مكان" السماء، وهذا يعني أنه محدود ومحصور، وأن الأرض والسماوات وسعته.
إن مثل هذا الفهم يجعلنا نؤمن بإله محدود، وذو جسم ينتقل من مكان إلى مكان، حاله حال الملائكة أو البشر. بل الأسوأ من ذلك، أنه يجعل الله تعالى تحيط به بعض مخلوقاته وتوسعه وتحمله، وهذا من أبطل الباطل في حق الله تعالى.
تنزيه الله عن الحدوث والحاجة
هل نقول إن الله تعالى صار في خلقه بعد أن خلقهم، واحتاج إلى مكان يحويه وعرش يرقيه ويقعد عليه؟ هذا يناقض كماله وغناه المطلق عن خلقه. الله تعالى هو الخالق، والمكان والمخلوقات كلها خلقه، وهو تعالى منزه عن الحاجة إليها. فكيف يحتاج الخالق إلى خلقه؟
وماذا سيكون مصيره إذا انقضت الدنيا وفنيت السماوات والأرض؟ هل سيصبح بلا مكان؟ هذا السؤال يكشف زيف القول بالمكان لله تعالى، فالله تعالى موجود بذاته، لا يحتاج إلى مكان ليوجده أو يحويه. وجوده أزلي أبدي، لا يتأثر بفناء خلقه.
وكيف تكون السماوات "مطويات في يمينه" (كما جاء في بعض الآيات)، وفي نفس الوقت يكون في السماء الدنيا؟ وهل هو أصلاً في الدنيا والآخرة في نفس الوقت؟ إن هذه التساؤلات تبرز التناقضات التي يقع فيها من يجسّم الله تعالى ويثبت له المكان. الله تعالى ليس كمثله شيء، وهو المحيط بكل شيء، لا يحيط به شيء.
فهم النصوص الشرعية
عندما نسأل من يقولون بأن الله في السماء وفوق العرش بذاته عن كيفية ذلك، فإنهم غالبًا ما يكتفون بالقول: "نقول ما قال ربنا"، في حين أن ما يقولونه هو فهمهم وتأويلهم للنصوص، وليس نص الآية بذاته. إن النصوص الشرعية يجب أن تُفهم في إطار أصول العقيدة الإسلامية، وأهمها التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشبيه والنظير.
شاهد من أقوال الأئمة:
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "من زعم أنّ الله من شيء فقد جعله محدثًا، ومن زعم أنّه في شيء فقد جعله محصورًا، ومن زعم أنّه على شيء فقد جعله محمولاً."
هذا القول البليغ يؤكد على تنزيه الله تعالى عن كل ما يدل على الحدوث، الحصر، والحمل، وكلها لوازم إثبات المكان والجهة والجسمية. الله تعالى منزه عن كل ذلك، فهو الخالق المدبر، الذي لا تحيط به الأماكن، ولا تحدّه الجهات، ولا يشبه المخلوقين في شيء.
خلاصة: إن الإيمان بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة والجسمية هو إيمان يتوافق مع كماله المطلق ووحدانيته، ويجنبنا الوقوع في تشبيه الخالق بالمخلوق. الآيات الكريمة التي قد تُفهم ظاهريًا على أنها تثبت المكان لله يجب أن تُؤول بما يتوافق مع أصول العقيدة، وبما يليق بجلال الله وعظمته. فالله تعالى هو الخالق الذي لا يحتاج إلى خلقه، ولا يحويه مكان، ولا يحده زمان.
تعليقات
إرسال تعليق