هل الله موجود !
بين الوجود والعدم: ضرورة المرجّح
إنّ التأمل في حقيقة الوجود يقودنا إلى مفارقة أساسية:
فاحتمالية وجود شيء وعدم وجوده تبدو متساوية في اللحظة الأولى. هذا التساوي يستدعي
بالضرورة وجود مرجّح يميل بكفة أحد الطرفين على الآخر. فلو لم يوجد هذا
المرجّح، لظلّت الكفتان متساويتين، ولما ترجّح الوجود على العدم أو العكس. هذه هي
نقطة البداية لأي بحث عقلاني في حقيقة الوجود.
إثبات الوجود بمعزل عن الصفات
من المهم جدًا أن نُميّز بين إثبات الوجود ومعرفة
صفات الموجود. قد نُسلّم بوجود شيء ما
دون أن نُدرك كُنهه أو صفاته التفصيلية. على سبيل المثال، قد يُدرك الإنسان وجود
قوى طبيعية لا يراها، لكنه يعلم بآثارها. إثبات وجود مُوجد لهذا العالم لا يستلزم
بالضرورة الإحاطة الكاملة بصفاته، بل هي خطوة أولى ضرورية تمهّد الطريق لأي بحث
لاحق في كمالاته وأسمائه.
الأدلة العقلية على وجود الموجد
من هنا، يبرز السؤال الجوهري:
ما الدليل على أن لهذا العالم موجدًا؟
لقد تصدى الفلاسفة العظام، أمثال ابن سينا وغيره، لهذه المسألة ببراعة،
مقدمين براهين عقلية مُحكمة تُثبت ضرورة وجود مُوجد لهذا الكون. من أبرز هذه
البراهين:
- برهان التسلسل (أو عدم
التسلسل اللانهائي): هذا البرهان يُشير إلى أنه
لا يمكن أن تكون سلسلة العلل والمعلولات لانهائية. فلكل موجود ممكن علة
أوجدته. وإذا استمر هذا التسلسل بلا نهاية، فلن يوجد أي شيء على الإطلاق، لأن
وجود كل حلقة يعتمد على الحلقة التي تسبقها. وبالتالي، لا بد أن ينتهي هذا
التسلسل إلى علة أولى غير معلولة، هي التي أوجدت كل ما سواها.
- برهان العلية (مبدأ السببية):
يقوم هذا المبدأ على أن لكل حادث مُحدثًا،
ولكل أثر مؤثرًا. فالكون بكل تعقيداته وتفاعلاته هو سلسلة من الحوادث
والآثار. لا يمكن أن توجد هذه الآثار صدفة أو من العدم المحض، بل لا بد أن
يكون لها سبب أول أوجدها، وهو المُوجد.
- حقيقة الوجود وواجب الوجود:
هذه الحجة الفلسفية تُفرّق بين نوعين من
الوجود:
- ممكن الوجود:
وهو ما يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد. وجوده
ليس ذاتيًا، بل يعتمد على غيره.
- واجب الوجود:
وهو ما وجوده ذاتي وضروري لا يمكن أن يكون
معدومًا بحال من الأحوال.
الكون الذي نراه هو سلسلة من الموجودات الممكنة. إذا كانت كل
الموجودات ممكنة الوجود، فإن وجودها يستلزم وجود سبب خارج عنها يرجّح وجودها على
عدمها. ولو كانت كل الموجودات ممكنة، لما وجد أي شيء أبدًا، لأن وجودها مرهون
بوجود شيء آخر يخرجها من العدم إلى الوجود. لذلك، لا بد من وجود واجب الوجود
بالضرورة الذي لا يحتاج إلى غيره في وجوده، وهو الأصل الذي قامت عليه كل
الموجودات الممكنة.
ترجيح كفة الوجود على العدم
هذه الأدلة العقلية القوية ليست مجرد تأملات مجردة، بل هي مرجحات
قوية لكفة القول بوجود مُوجد لهذا الكون. حتى وإن وُجد من يراها ضعيفة أو غير
كافية، فإنها على الأقل ترفع من احتمالية وجوده بشكل كبير جدًا، مقارنة باحتمالية
عدم وجوده. هي ليست إثباتًا قاطعًا للجميع بنفس الدرجة، لكنها تُقدّم أساسًا
عقليًا متينًا يدفع باتجاه الإيمان بوجود خالق.
إنكار الوجود: هل هو دليل أم جهل؟
أما بالنسبة لمن ينكر وجود المُوجد، فبماذا ينكر وجوده؟ غالبًا
ما يكون إنكاره نابعًا من الجهل بالذات التي ينكرها، أو عدم القدرة على إدراكها
بحواسه المحدودة. فهل
مجرد إثبات الجهل بشيء يعني بالضرورة عدم وجود هذا الشيء؟ قطعًا لا. جهلي بوجود
كوكب جديد لم يُكتشف بعد لا يعني أنه غير موجود. جهلي بوجود كائن حي دقيق جدًا لا
يمكن رؤيته بالعين المجردة لا يعني أنه غير موجود.
إن ادعاء "العدم" المطلق يستلزم إحاطة علمية بكل شيء
في الكون، وهو أمر مستحيل على البشر. ولذلك، فإن إنكار الوجود لمجرد الجهل به لا
يُعدّ دليلًا على العدم، بل هو إقرار بالقصور الذاتي في الإدراك.
تعليقات
إرسال تعليق