حكمة الخلق: لماذا خلقنا الله رغم علمه بالفساد؟

 

حكمة الخلق: لماذا خلقنا الله رغم علمه بالفساد؟

قد يتبادر إلى الذهن تساؤل عميق حول حكمة الله في خلق الإنسان، وهو سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون من فساد وسفك للدماء في الأرض. من الجهل ادعاء العلم المطلق في هذا الأمر الغيبي، ولكن يمكننا استشفاف بعض المعارف التي تشير إلى جانب من حكمة الله البالغة.

الإنسان: خليفة الله في الأرض

عندما خلق الله آدم عليه السلام، قال للملائكة:

إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

(البقرة: 30)

كلمة "خليفة" تحمل في طياتها معاني عميقة. فالخلافة تعني أن الله قد مكن الإنسان من التصرف وإدارة هذه الأرض، ومنحه القدرة على الاستخلاف عليها. وفي ذات الوقت، لم يتركه هباءً، بل زوده بالتعليمات والتوجيهات لكيفية إدارة هذا الاستخلاف.

الشاهد والاستدلال: تمثلت هذه التوجيهات في إرسال الأنبياء والرسل وإنزال الكتب السماوية، التي تحمل في طياتها الشريعة والمنهاج، أو ما يسمى الإرادة التشريعية لله. هذه الإرادة التشريعية تختلف عن الإرادة الكونية القدرية؛ فالإنسان يملك حرية الاختيار في طاعتها أو عصيانها.

مثال توضيحي: يمكن تشبيه الأمر بإشارة المرور الحمراء. القانون وضعها ليتم الالتزام بها، وأي سائق يملك حرية تجاوزها. لكن هذا التجاوز لا يلغي القانون، بل يؤدي إلى عواقب وخيمة كالحوادث والإصابات أو حتى القتل، بالإضافة إلى استحقاق العقوبة القانونية. كذلك الإنسان، إذا عصى الإرادة التشريعية، جرت عليه سنن الله في خلقه، فانتشر الفساد، وظهرت الأمراض، وحل الموت والقتل، وغيرها من تبعات الاختيار الخاطئ.

القضاء والقدر: علم الله لا يعني الجبر

قد يرى البعض أن علم الله المسبق بأفعالنا يعني أننا مجبرون عليها، وهذا فهم غير دقيق. هناك فارق جوهري بين أن يكتب الله فعلك لأنه يعلم بعلمه المطلق أنك ستفعله باختيارك الحر، وبين أن يكتبه عليك فتكون مجبرًا عليه.

الشاهد والاستدلال: الأمور التي كتبها الله على سبيل الجبر هي سننه الكونية التي لا دخل للإنسان فيها، كالموت والحياة، أو جريان الأفلاك. أما الأفعال الاختيارية، فقد علمها الله قبل وقوعها لا لأنه أجبرنا عليها، بل لعلمه الأزلي بما سنختاره بحريتنا. هذا ما يوضحه مفهوم القضاء والقدر في الإسلام؛ فالله يعلم كل شيء، ولكن هذا العلم لا يسلب الإنسان إرادته الحرة ومسؤوليته عن أفعاله.

الإنسان بين الفطرة والبيئة: مسؤولية الاختيار

الطفل لا يولد شريرًا بفطرته. بل إن البيئة المحيطة به، من الأبوين والأسرة، والحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يديرها الخلق أنفسهم، هي ما قد تدفعه نحو الشر. عندما تتقوى الشهوات على الأخلاقيات والقيم، قد يميل الإنسان إلى السلوك الخاطئ ويتمادى فيه.

لكن الله منح الإنسان العقل والقدرة على رفض السلوك الخاطئ وإصلاح أمره والتوبة. هذا هو جوهر الاختبار الإلهي. فهل يتوب ويعود إلى الصواب؟ هنا يمتحنه الله.

وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ

(الكهف: 29) هذه الآية تؤكد على حرية الاختيار الإنساني. فإن تاب الإنسان، تاب الله عليه وعفا عنه؛ لأنه رحيم غفور. وإن لم يفعل، كان مستحقًا للعقوبة؛ لأنه اختار طريق الشر بإرادته.

دعوة إلى التعمق في المعرفة

الكلام في هذا المجال واسع وعميق. ومن أراد التوسع والفهم الدقيق لهذه القضايا، فعليه أن يقرأ في كتب تناولت مواضيع العدل الإلهي والقضاء والقدر، ليعمق دائرة معرفته ويدرك أبعاد الحكمة الإلهية في خلق الإنسان ومنحه حرية الاختيار والمسؤولية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن