هل الأمة مستعدة لظهور المهدي؟ غزة مرآة الواقع!
هل الأمة مستعدة لظهور المهدي؟ غزة مرآة الواقع!
إن ما تعانيه غزة اليوم من قتل وتجويع وظلم يُثير تساؤلاً جوهريًا حول مدى استعداد الأمة لاستقبال الإمام المهدي المنتظر. فكيف لأمة عجزت عن نصرة أهلها في غزة، وتمرير الغذاء والدواء، والحفاظ على حياة الشيوخ والنساء والأطفال، أن تكون مؤهلة لاستقبال قائد عالمي يسعى لإقامة العدل الإلهي؟ هذا المقال يستكشف العلاقة بين الواقع الحالي للأمة، ودورها في تهيئة الظروف لظهور الإمام المهدي، مستندًا إلى استدلالات عقلية ونقلية.
المهدي: قائدٌ لأمة مستعدة لا مغيرٌ لسلوكها بالقوة
يعتقد البعض أن ظهور الإمام المهدي سيكون بمثابة تغيير سحري لسلوكيات الناس والمجتمعات، دون أن يكون لهم أي دور في هذا التغيير. وهذا فهمٌ مغلوط لطبيعة الظهور الإلهي. فالمهدي لن يُغير سلوكيات الأفراد والمجتمعات قسرًا، بل سيقود أمة مستعدة للتغيير وراغبة في الانقياد لإمام يعمد إلى تحقيق العدالة، حتى لو كان ذلك على نفسه.
استدلال عقلي: فلو أن الله أراد التغيير القسري، لما كانت هناك حاجة لإرسال الأنبياء والرسل وتنزيل الكتب السماوية التي تدعو إلى الخير والفضيلة. إن الإرادة الإنسانية هي أساس التكليف والمسؤولية، والتغيير الحقيقي ينبع من الداخل.
استدلال نقلي: قال تعالى في سورة الرعد: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}. هذه الآية الكريمة تؤكد بوضوح أن التغيير يبدأ من الذات، وأن الله لن يُحدث تغييرًا في حال قوم إلا إذا سعوا هم لتغيير أنفسهم أولاً. وظهور الإمام المهدي يمثل تتويجًا لجهود الأمة في تهيئة نفسها للعدل.
غزة: دليل حي على التخاذل والطغيان
إن ما يحدث في غزة وغيرها من المجتمعات التي تعاني القتل والمجاعات والظلم وسلب الحريات، هو دليل حي على نسبة كبيرة من المتخاذلين داخل الأمة. بل هو دليلٌ حي أيضًا على وجود الطغاة وأعوانهم ممن تتضارب مصالحهم مع العدالة. كيف يمكن لأمة تتواجد فيها هذه المظاهر بكثرة أن تتوقع ظهور المنقذ الذي سيقيم العدل المطلق؟
شرط ظهور المهدي: وجود الناصر والمعين
إن الله سبحانه وتعالى لن يُظهر المهدي إلا إذا وجد الناصر والمعين لهذا العبد الصالح. فدوره سيكون إقامة دولة الحق وبسط العدالة الإلهية، وهذا لا يمكن أن يتم في فراغ. يحتاج الإمام المهدي إلى قاعدة صلبة من المؤمنين الصادقين المستعدين للعمل والتضحية من أجل تحقيق هذا الهدف العظيم.
التغيير يبدأ من أنفسنا: سنة إلهية
إن الله سبحانه وتعالى يريد من الناس أن يغيروا من أنفسهم وأن يسيروا على الطريقة والمنهاج الذي رسمه لهم، ليسقيهم ماءً غدقًا. فالله سبحانه وتعالى حينما رفع السماء، وضع الميزان، وأمرنا ألا نطغى في الميزان. وجعل لنا شريعة ومنهاجًا حتى نسير على الصراط المستقيم. وأرسل النبيين والرسل، وجعل لنا أئمة يهدون بأمره، وقال للنبي: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}.
استدلال عقلي: إن سنن الكون قائمة على الأسباب والمسببات. فكما أن الزرع لا ينبت إلا ببذر وسقي ورعاية، كذلك إقامة العدل لا تتحقق إلا بجهود الأفراد والمجتمعات في التغيير نحو الأفضل.
استدلال نقلي: قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} (سورة نوح، الآيات 10-12). هذه الآيات تربط بين الاستغفار والتوبة والتغيير الإيجابي وبين الرزق والخيرات. وهو ما يؤكد أن التغيير يبدأ من الأفراد.
الطريق الممهد: جهود الأمة الصادقة
لا يمكن أبدًا أن نصل إلى نهاية الطريق بسلاسة وسرعة وراحة ما لم يكن الطريق ممهدًا ومهيئًا للسير عليه. وهذا ينطبق على طريق إقامة العدل الإلهي. فالله سبحانه وتعالى يُنزل علينا البلاء حتى نصبر وندعوه ونتقرب إليه، ويجعل من بلائنا وصبرنا امتحانًا لغيرنا ممن أنعم الله عليهم، ليرى شكرهم وحمدهم لله على ما تفضل به عليهم. هذا التوازن ما لم يتحقق، لن تستقيم الحياة.
ما نحن فاعلون؟
البعض منا يعيش الحيرة، يريد أن يقوم بدور معين لكن لا يعلم ما الذي يمكن له فعله. والحقيقة أن على كل فرد أن يعمل بحسب دوره وقدرته وإمكانيته. إن كنت طبيبًا، فساعد في مجال تخصصك. وكذلك إذا كنت مهندسًا، مزارعًا، أو أي مهنة، أو حتى في تعاملك مع الآخرين، افعل ما هو صحيح. فمتى ما دفعت عن غيرك بحسب إمكانياتك، مكنت غيرك من فعل ما يتمكن منه. فالطبيب إذا عالج المهندس، سيمكنه من ممارسة عمله في الهندسة. وكذلك الخباز والمزارع، يوفر الطعام.
قد يقول قائل: وكيف يكون ذلك فيه رفع للظلم ومساعدة أهالي غزة وغيرها من الدول التي تعاني القتل والتجويع؟ والجواب أنك إذا هيأت الأرض التي تقف عليها وجعلت منها أرضًا خصبة، مكن الله لعبده الصالح المهدي الموعود الظهور لمقارعة الظلم والطغيان، بوجود الناصر العامل.
إن ظهور الإمام المهدي ليس حدثًا سحريًا منفصلاً عن واقع الأمة وجهودها. بل هو ثمرة طبيعية لتهيئة الأرضية الصالحة، ووجود القاعدة المؤمنة المستعدة للتغيير والعمل. فهل نحن مستعدون لبناء هذه الأرضية، لنكون من الناصرين لا من المتخاذلين؟
تعليقات
إرسال تعليق