لما لم يجعلني الله معصوما وطهرني من الرجس كما طهر محمد وآل محمد صلوات الله عليهم!
مقدمة في العصمة والتكليف الإلهي
إنّ تساؤلك عن سبب عدم عصمتك وتطهيرك من الرجس كالنبي محمد وآله عليهم السلام هو تساؤل عميق ومشروع، ويتطلب فهمًا لعدة جوانب تتعلق بالعصمة، التكليف الإلهي، والاستعداد البشري.
إنّ الله سبحانه وتعالى، بعلمه المطلق، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. وقد علم جلّ وعلا أنّ من اصطفاهم من الأولين والآخرين لا يتخلفون عمّا يكلّفهم به. هنا تبرز العصمة كعناية ولطف إلهي خاص يُمنح للأنبياء والرسل والأئمة، فهم اختاروا طريق الطهر والكمال المطلقين، ووفوا بما عاهدهم الله عليه.
النبوة، الرسالة، والإمامة هي تكاليف عظيمة، تتطلب استعدادًا وقابلية خاصة لا يمتلكها كل البشر. الأنبياء والرسل والأئمة لديهم مقامات متفاوتة، وقد كان في علم الله تعالى أنه لا أحد يتحمل التكليف الذي خُصّ به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا هو. هذه المقامات الرفيعة ليست مجرد تشريف، بل هي مسؤولية جسيمة تحتاج إلى قدرات روحية وبدنية فائقة.
واقعنا البشري ومقارنته بالمعصومين
عندما ننظر إلى أنفسنا، نجد ميلًا فطريًا نحو الملذات والشهوات. نواجه ثقلًا في أداء الواجبات الشرعية، فقد نقضي ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما نشعر بالضيق من دقائق معدودة لأداء الصلاة الواجبة، ناهيك عن المستحبات.
قليلون هم من يؤدون تكليفهم الشرعي الواجب فضلًا عن المستحب بشكل صحيح مع وجود الخشوع والورع والتقوى. فهل تعتقد أن العصمة هي التي تمنح هؤلاء العزم والورع والتقوى وتجعل المستحب في مقام الواجب؟ بالتأكيد لا. إنها نتيجة جهد ذاتي وكفاح مستمر، تتوج بعناية إلهية.
القابلية والاستعداد للفيوض الإلهية
بعض الأمور والفيوض الإلهية لا تشملنا ليس لأن الله يمنعها عنا، بل لأننا قد لا نملك القابلية والاستعداد لتقبّل تلك الفيوض. أنت لم تهيئ نفسك لذلك المستوى من الارتباط بالله والاجتهاد في طاعته.
لنضرب مثالًا تقريبيًا: شخص رياضي وشخص لا يمارس الرياضة. من الطبيعي أن تكون قدرات الشخص الرياضي البدنية أفضل، ومن الطبيعي أن يفوز بالجائزة في المسابقات الرياضية. الفوز ليس منحة عشوائية، بل هو ثمرة جهد وتدريب. كذلك هي الفيوض الإلهية؛ تحتاج إلى تهيئة وتدريب روحي ونفسي.
عصمة الأئمة عليهم السلام تكمن في تقبل التكليف والفيض الإلهي والإتيان به على النحو المطلوب منهم من حيث التكليف المناط بهم. بل ويزيدون على ما كلفوا به من باب الشكر والحمد لله، وهذا ما يبرز مقامهم الرفيع.
لماذا العصمة ليست للجميع؟
قد يبدو من الوهلة الأولى أن العصمة أمر مرغوب فيه للجميع، لكننا لو كنا معصومين، لربما لم نتحمل العصمة ولن نؤدي حقها. قد يكون مثلنا في ذلك مثل الحمار الذي يحمل الأسفار ولا يفقه منها شيئًا، أو قد نكون ممن كان يعلم ولم يعمل بما يعلم، فتنزل علينا لعنة الله ونحاسب يوم القيامة حسابًا عسيرًا. قال تعالى:
"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (الجمعة: 5)
كثير من الناس لم تتقبل وجود المعصوم لأنها لا تتقبل الحق، بل وحاربتهم وقتلتهم على مر العصور، ولا يزال من يقول الحق ويعمل بالحق يحارب ويقتل. فالعصمة ليست مجرد طهارة، بل هي عبء ثقيل ومسؤولية عظيمة.
مع الله سبحانه وتعالى، لن تستحق التشريف إلا إذا كنت أهلًا للتكليف. لذلك، اجتهد في قيامك بتكاليفك الشرعية، وحينها سترى بركات الله تحيط بك وعلى من حولك.
هل ترى الآن كيف أن مسؤولية التكليف مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتشريف الإلهي؟
تعليقات
إرسال تعليق