ابتلاءات الحياة: حكمة إلهية ومسؤولية إنسانية

 


ابتلاءات الحياة: حكمة إلهية ومسؤولية إنسانية في منظور أهل البيت (ع) والقرآن الكريم

تتجلى حكمة الله تعالى في تقديره للأقدار، حيث يبتلي بعض عباده بضروب من النقص والخوف، في حين يمتحن آخرين بما أنعم عليهم من وفرة وقوة. إنها معادلة وجودية عميقة، تتكشف فيها أسرار الابتلاء والامتحان، وتتضح معها الغاية من وجودنا على الأرض. فليس كل عطاء نعمة خالصة، وليس كل حرمان نقمة محضة، بل كلاهما وجهان لعملة واحدة: الاختبار الإلهي.

حكمة الابتلاء: صقل النفوس ورفع الدرجات في مدرسة أهل البيت (ع)

عندما يُبتلى الإنسان بالجوع، والخوف، ونقص الأموال، والمرض، أو حتى الموت، قد يبدو الأمر قاسيًا وظالمًا للوهلة الأولى. لكن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تنظر إلى هذه الابتلاءات من زاوية أعمق، كفرصة لتزكية النفس وصقل الروح. ففي الشدائد، تبرز حقيقة الإنسان؛ هل يصبر ويحتسب، أم يجزع ويكفر؟

يقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة: "ألا وإن البلاء للظالم نقمة، وللمؤمن رحمة". وهذا يوضح أن الابتلاء ليس بالضرورة عقاباً، بل قد يكون وسيلة للتقرب ورفع الدرجات. فالمرض قد يكون مطهرًا للذنوب، ونقص المال قد يدفع الإنسان إلى التواضع والقناعة، والخوف قد يذكره بضعفه وحاجته المطلقة إلى الله.

هذه الابتلاءات ليست عقابًا دائمًا، بل قد تكون رحمة خفية، ترفع درجات المؤمن، وتزيده قربًا من خالقه، وتمتحن يقينه وصبره. كما قال تعالى في محكم كتابه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155). هذا الصبر لا يعني السلبية، بل هو تصرف إيجابي يتمثل في الثبات على الإيمان والرضا بقضاء الله، مع بذل الأسباب للتخفيف من وطأة البلاء.

وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في الكافي: "إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". وهذا يؤكد أن الابتلاء دليل على منزلة العبد وقربه من الله، فهو وسيلة لتمحيص الإيمان وتهذيب النفس.


مسؤولية المُمتحن: اختبار العطاء والشكر في ضوء القرآن وروايات أهل البيت (ع)

في المقابل، يُمتحن بعض العباد بما أنعم الله عليهم من قوة، ومال، وطعام، وصحة. هذا الامتياز ليس امتلاكًا مطلقًا، بل هو استخلاف وأمانة. فأن يرى المرء جاره يعيش في العراء، لا يملك قوت يومه، وينام جائعًا مع عياله، ولا يجد ما يقيه برد الشتاء أو حر الصيف، بينما ينام هو قرير العين، لهو مصيبة حقيقية، ليس على الجار فحسب، بل على من رُزق ولم يؤدِ حق ما أُعطي.

هذا الموقف يذكرنا بآيات قرآنية عظيمة تدعو إلى الإنفاق والعطاء: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (البلد: 14-16). إنها دعوة صريحة للتحلي بالإنسانية والتعاطف، وعدم التذرع بحجة القدر. فقول القائل: "أنطعم من لو يشاء الله أطعمه!" هو قول شيطاني، ينم عن قسوة القلب والتنصل من المسؤولية. إنه يمثل فهمًا مغلوطًا للقدر، حيث يحول القدر إلى ذريعة للتقاعس عن فعل الخير، في حين أن الله قد قدر الأسباب والمسببات، وجعل مساعدة المحتاج جزءًا لا يتجزأ من اختبار الغني.

لقد وضع الله تعالى في أموال الأغنياء حقًا للسائل والمحروم، ولم يجعلها ملكية مطلقة. وقد ورد عن الإمام علي (ع): "إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غني" (نهج البلاغة). هذا الحديث الشريف يؤكد على أن الفقر ليس قدراً محتوماً للفقير فحسب، بل هو نتيجة لتقاعس الغني عن أداء واجبه.

فالشكر الحقيقي على النعم لا يكون بالقول وحده، بل بالعمل والإنفاق في سبيل الله، ومواساة المحتاجين. وإن العاقبة الوخيمة التي قد تلحق بمن يمتنع عن مساعدة المحتاجين، سواء في الدنيا أو الآخرة، هي تحذير لمن يغفل عن هذه المسؤولية. يقول الله تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (محمد: 38).


ختامًا: وحدة الابتلاء والمسؤولية في منهج أهل البيت (ع)

إن الابتلاءات التي تصيب بعض الناس، والخيرات التي تُمنح لآخرين، هي جزء من نظام كوني محكم يهدف إلى إظهار الحق، وتمييز الصادق من الكاذب، وتحقيق العدل الإلهي في أعمق معانيه. فعلى من ابتلي أن يتحلى بالصبر الجميل والرضا بقضاء الله، وأن يرى في محنته فرصة للتقرب والارتقاء. وعلى من مُنح النعم أن يجتاز اختباره بنجاح، وأن يرى في عطائه أمانة ومسؤولية، يسخرها في مرضاة الله وخدمة خلقه، حتى لا يكون مصيره الحسرة والندم.

فهل نحن مستعدون لفهم حقيقة هذا الابتلاء والامتحان، والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقنا، سواء كنا في حال ضيق أو سعة، مستلهمين ذلك من هدي القرآن الكريم وسيرة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن