أين ذهب الحُكم والبرهان والميزان الذي جاء مع القرآن؟

 

أين ذهب الحُكم والبرهان والميزان الذي جاء مع القرآن؟

في خضم الدعوات المتكرّرة إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم، واعتبار ما سواه من الوحي ضربًا من الافتعال، يطلُّ سؤالٌ قرآنيٌّ أعمق من كل شعاراتهم: أين ذهب الحُكم والبرهان والميزان الذي جاء مع القرآن؟

إن القرآن ذاته لا يقبل أن يُعزل عن هذه العناصر الثلاثة التي أُرسلت معه، والتي بها اكتمل الدين، وتحقّقت وظيفة النبوّة.


1. الحُكم: وحي البيان والفصل

يقول الله تعالى:

{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105]

ليست العبارة «بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ» تكرارًا لـ «بما أنزلنا إليك»، بل هي امتدادٌ للوحي الآخر الذي يُري الله به نبيَّه وجه الحق في الوقائع والأحكام. فالنبي ﷺ لا يحكم بألفاظٍ جامدة، بل بالعلم الذي أراه الله إياه، وهو ما عبّر عنه القرآن بـ «الحكمة» و «التعليم». ولو اقتصر وحيه على النصّ المَتلو، لما استقامت له وظيفةُ القضاء والبيان، ولا تحقّقت غاية التكليف الإلهي في الحكم بما أنزل الله.

2. البرهان: الرسول الذي جاء بالحجة

يقول سبحانه:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]

فرّق النص بدقة بين "البرهان الذي جاء" و "النور الذي أُنزل"؛ فالمنزَّل هو القرآن، وأما الآتي فشخص النبيّ نفسه بما أقامه الله به من حُجّةٍ وسيرةٍ وسنّةٍ ناطقة. ولو كان البرهان هو النص القرآني ذاته، لما وُجد هذا التمايز البلاغي الدقيق بين الفعلين «جاء» و «أنزل». لقد جمع الله بين البرهان والنور؛ لأن الأول هو السلوك النبوي المبيّن، والثاني هو الوحي الكتابي المرسوم.

3. إخراج الناس من الظلمات إلى النور

يقول جلّ وعلا:

{الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1]

الضمير في «لِتُخْرِجَ» بيّن أن الفعل مناط بالرسول لا بالكتاب وحده. فالكتاب سبب الهداية، والنبي هو القائد الذي يجسّدها في الواقع. ولو كانت الهداية تُنال بالتلاوة فقط، لقال "لينتفع الناس بالقرآن"، لا «لِتُخْرِجَهُم». إن الإخراج من الظلمات لا يتمّ بمجرد سماع النص، بل بفهمه وتطبيقه وفقَ ما علّمه الله لنبيّه من البيان.

4. الرسالة التبليغية والتربوية

قال تعالى:

{وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أرسلناك إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء: 105]

البشارة والإنذار فعلان يتجاوزان مجرّد القراءة؛ فالمبشّر والنذير يُخاطب القلوب، ويوجّه السلوك، ويُفصّل القول. فلو كانت مهمته تعليم النصّ فقط، لقيل "معلّمًا للكتاب"، لكن الوصفين «مبشّرًا ونذيرًا» يكشفان عن وظيفة أوسع، تتجلّى في السنة القولية والعملية التي تترجم الوحي إلى منهج حياة.

5. البينات والكتاب والميزان

يقول الله عزّ وجلّ:

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} [الحديد: 25]

هنا يُصرّح القرآن بتعدّد عناصر الوحي:

  • البينات: وهي الحجج والدلائل النبوية.

  • الكتاب: وهو النص الذي يُتلى.

  • الميزان: وهو مقياس العدالة الرباني.

هذه الثلاثة لا تُختزل في نصّ مكتوب، بل تتكامل في الوحي المسموع والمطبّق. فمن أنكر السُّنّة، أنكر البينات، وأبطل الميزان، وحصر الدين في الورق دون الواقع.


خلاصة القول

إن منطق "القرآن وحده" لا ينتمي إلى القرآن، بل يناقضه؛ لأن نصّ الوحي ذاته يقوم على تكامل بين الكتاب والبيان، وبين النص والقدوة.

فإذا نُزِع من القرآن برهانه وميزانه وحكمه، بقيت الحروف دون المعنى، والنور دون الهداية. القرآن كتاب الله، والنبي بيان الله، وبهما معًا قامت الحجة، وتمّ الدين، واكتمل النور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن