سلسلة الأدلة القرآنية على حجيّة وحي البيان (السنة النبوية)
الأدلة القرآنية على حجيّة وحي البيان (السنة النبوية)
يتجلى من خلال التأمل في الآيات القرآنيّة أن الوحي لا يقتصر على النص المتلو فحسب، بل يمتد ليشمل البيان النبوي الشارح له. ويمكن تلخيص ذلك من خلال النقاط التالية:
1. وعد الله بتكفل البيان
قال تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16-19]. من يتأمل هذه الآيات يرى بوضوح أن الله تعالى وعد نبيَّه بأمرين اثنين بعد نزول القرآن:
أولاً: أن يجمعه ويقرئه عليه، أي ينزل الوحي المتلو المتمثل بالقرآن الكريم.
ثانياً: أن يتولى بنفسه بيانه، فقال: «ثم إن علينا بيانه».
الاستنتاج: البيان هنا جاء بعد الإنزال والقراءة، فهو وحيٌ آخر غير القرآن، يُفصِّل مجمله، ويشرح مشكِله، ويُقيِّد مطلقه. ولو لم يكن هناك وحيٌ آخر يبيّن، فكيف يتحقّق وعد الله لرسوله بأنه سيتكفّل بالبيان؟
2. التفريق بين الإيمان بالمنزَّل واتباع الرسول
قال تعالى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} [آل عمران: 53].
لاحظ هنا التفريق البليغ بين الإيمان بما أنزل الله (أي القرآن)، واتباع الرسول (وهو الاتباع العملي لما جاء به من قول وفعل وبيان).
فبعد الإيمان بالوحي المتلو، يأتي الاتباع للوحي الذي تجسّد في هدي النبي وسُنّته، تأكيداً على أن طاعة الرسول تمتدّ لما أُوحي إليه بياناً للقرآن.
3. عصيان الرسول كحجة مستقلة
يقول تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النساء: 42].
هنا لم يقل سبحانه: “وعصوا القرآن”، بل قال: “وعصوا الرسول”.
لأن العصيان متعلق بما أمر ونهى به النبي مما تلقّاه من وحي البيان، لا بمجرد ترك العمل بالكتاب. فالرسول هو الحجة العملية القائمة على الناس، به يُعرف التطبيق، ومنه تُؤخذ الأحكام.
4. التثنية في مرجعية الرجوع
قال تعالى أيضاً: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} [المائدة: 104]. يجمع النص بين أمرين:
ما أنزل الله: الوحي المتلو (القرآن).
الرسول: الوحي غير المتلو (البيان والسنة).
الدلالة: لو كان المراد واحداً لما فصل بينهما بالواو. وهذه التثنية دليل قاطع على أن للرسول حجيّةً مستقلة، وأن الرجوع إليه واجب كما الرجوع إلى الكتاب.
5. شمولية ما آتى الرسول
يؤكّد هذا المعنى قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].
هنا أسند الإيتاء إلى الرسول لا إلى القرآن، فيشمل كل ما أتى به من تعليم وأمرٍ ونهي، مما هو وحيٌ من الله بلسان رسوله، وإن لم يكن جزءاً من النص القرآني.
الخلاصة
بهذا تسلسلٍ بيانيٍّ واضح، يتبيّن أن القرآن الكريم نفسه هو الذي أثبت وجود الوحي الثاني (وحي البيان)، وجعل للسنة مكانةً مكملة للكتاب لا منافسة له. فالرسول مبيّنٌ لما أُنزِل إليه، ومنه يُؤخذ الفهم العملي للقرآن.
تعليقات
إرسال تعليق