نور الوحيين: في إثبات وظيفة البيان النبوي وحجية السنة
نور الوحيين: في إثبات وظيفة البيان النبوي وحجية السنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن القول بالاكتفاء بالقرآن الكريم دون السنة النبوية المطهرة ليس مجرد رأي في "مصدرية التشريع"، بل هو تصادم صريح مع منهج القرآن في تعريف نفسه وفي تحديد أدوار من نزل عليهم الوحي. فالقرآن لم يقدم نفسه كنصٍ يُفسر نفسه آلياً بمعزل عن "المبين"، بل ربط الهداية بكيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره مبيناً وقائداً ومربياً.
أولاً: نقض حصر النبوة في البلاغ (الاستدلال بقصص الأنبياء)
من يحصر دور النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجرد "تبليغ النص" (أي دور الناقل فقط)، فهو في الحقيقة ينكر جوهر مفهوم "النبوة" كما عرضه القرآن؛ فالنبوة مقام أوسع من مجرد استلام رسالة مكتوبة، ويتجلى ذلك في النماذج التالية:
- نبوة البيان والإسناد (هارون عليه السلام): بعث الله هارون نبياً مع موسى (صاحب الرسالة والكتاب) في وقت واحد، ولم ينزل على هارون كتاب مستقل، بل كان دوره هو "البيان" والفصاحة والتصديق، كما قال تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: 34]. فهارون نبي وظيفته البيان، مما يثبت أن النبوة قد تنفصل عن "إتيان الكتاب" وتتصل بـ "بيانه وتصديقه".
- نبوة القيادة وإقامة الدولة (يوسف عليه السلام): قدمت سورة يوسف نموذجاً للنبي الذي أقام دولة، وغير موازين الاقتصاد، ومارس سلطة الأمر والنهي والتدبير، وهذا كله يمثل "السنة والمنهج" العملي الذي يتجاوز مجرد بلاغ نصوص الغيب.
- شُمولية الوحي للأنبياء: يؤكد القرآن أن الوحي ليس محصوراً في أصحاب الكتب (الرسل) فقط، بل هو سارٍ في جميع الأنبياء، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ... وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]. فكل هؤلاء أوحي إليهم، وأقوالهم وأفعالهم ملزمة لأنها صادرة عن مشكاة الوحي، سواء استقلوا بكتاب أم كانوا مبيّنين لشرع من سبقهم.
ثانياً: التحليل اللغوي لوظيفة "البيان"
يضع القرآن فاصلاً دقيقاً بين "الإنزال" وبين "فعل البيان"، ويجعل الثاني مهمة حصرية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:
- إسناد الفعل للمُبيّن: في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. إن الحجة القاطعة هنا تكمن في قوله ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ بضمير المخاطب؛ فلو كان القرآن هو الذي يقوم ببيان نفسه آلياً لقال سبحانه: "أنزلنا إليك الكتاب لِيُبَيِّنَ للناس" (بإسناد الفعل للكتاب)، لكن الله جعل "البيان" فعلاً نبوياً منوطاً بالرسول بوصفه الواسطة الشارحة بين الوحي الإلهي والعقل البشري.
- التفرقة بين التبيان والبيان: وصف الله كتابه بأنه ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، وهذا يعني احتواءه على أصول الهداية والحقائق الكلية، أما "البيان" فهو التفصيل التطبيقي الذي يقوم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنته القولية والعملية. فالتبيان للنبي (بأن علمه الله أسرار الكتاب) يسبق بيانه هو للناس.
- إتمام البيان الإلهي: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 19]، يدل على أن هناك وحياً بيانياً يُلحق بـ "القراءة"، وهو ما جرى على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرحاً لمجملات الكتاب.
ثالثاً: دلالة "النور الذي أُنزِل معه"
في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 157]، تظهر دلالة "المعية"؛ فالنور لم يكن خاصاً بالنص القرآني وحده (الذي نزل عليه)، بل شمل العلم والبيان والمنهج الذي نزل معه. فالنور الإلهي تجسد في الوحيين: الكتاب المُنزَل، والنبي الذي تلقى وأبان وطبق.
رابعاً: الضرورة العقلية (البيان كفعل إدراكي)
من جهةٍ عقليةٍ خالصة، النص يظل صامتاً ما لم يُفعّل عبر وعيٍ يفسره. وبما أن النص إلهي، فإن مبيّنه يجب أن يكون معصوماً ومؤيداً من الله لضمان تمثّل المعنى الكامل دون خطأ.
- العقل يميز بين "دلالة اللفظ" و**"فعل البيان"**؛ فالنص يحدد المجال، والبيان النبوي يبرز المراد.
- لو اكتفى الله بالقرآن دون معلمٍ ناطق، لكان تكليف الناس بفهم مراد الله على وجه اليقين "تكليفاً بما لا يطاق"، وهو ما ينزه عنه الحكيم سبحانه.
الخلاصة
إن الفصل بين القرآن والسنة هو هدم لمقام النبوة وإبطال لوظيفة البيان التي أمر الله بها. القرآن والسنة وحيان متكاملان؛ أحدهما نص إلهي متلو، والآخر وحي بياني مبيِّن. ولا سبيل للهداية الكاملة إلا باجتماع النص والمعنى، والرسالة والبيان، في وحدة معرفية متكاملة هي "نور الوحيين".
تعليقات
إرسال تعليق