البديهيات العقلية وشهادة الوجدان
إن البديهيات العقلية التي تنكشف للإنسان بمجرد التفاته إلى ذاته، هي حقائق لا تحتاج إلى برهان خارجي؛ فدليلها قائمٌ في جوهرها، ولا يمكن تصور ما هو أوضح منها ليدل عليها.
1. العلم الحضوري: بوابة اليقين
كل دليلٍ يُساق لإثبات حقيقةٍ ما، يجب أن يكون أجلى منها ظهوراً. ولا شيء في الوجود أجلى من "العلم الحضوري" الذي يدرك به الإنسان وجوده إدراكاً مباشراً، دون وساطة الحواس أو الصور الذهنية. فعندما يشهد الإنسان وجوده وجداناً، يدرك أن هذا الوجود حاضرٌ لديه ومنكشفٌ له بلا حجاب.
ومن رحم هذا الشهود الأولي، ينتزع الذهن مفهوم "العدم" كمقابل للوجود؛ لأن إدراك الشيء يقتضي تمييزه عما سواه. وهنا تتقرر في العقل أرسخ القواعد المنطقية: استحالة اجتماع النقيضين؛ إذ لا يعقل أن يكون الشيء موجوداً ومعدوماً في آنٍ واحد. هذا الحكم البديهي ليس معادلة رياضية جافة، بل هو نابع من أعمق طبقات الوجدان الإنساني.
2. من "الأنا" الحادثة إلى "العلة" المطلقة
حين يتأمل الإنسان في عمق وجوده الخاص، يكتشف حقيقة جوهرية: أنه وجودٌ "حادث" (لم يكن ثم كان). هذا الوعي يكشف له أن وجوده ليس ذاتياً ولا تاماً، بل هو وجود "فقير" متعلق بعلةٍ تمنحه التحقق.
- فالعدم لا يمكن أن يُفيض وجوداً.
- والمُفيض لابد أن يكون حقيقة وجودية قائمة بذاتها، لا يسبقها عدم ولا يعتريها نقص.
3. الميثاق الفطري والشهادة الأولى
من هذا التسلسل الوجداني - ودون حاجة لتعقيدات البراهين النظرية - يتبيّن للإنسان أن ثَمّة وجوداً مطلقاً هو مبدأ لكل الموجودات. هذه المعرفة الحضورية بالعلة الأولى هي عينها "الشهادة" التي أشار إليها القرآن الكريم في آية الميثاق:
«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا»
إنها شهادة فطرية مغروسة في الكيان البشري، منبثقة من حضوره الوجودي بين يدي خالقه. وبذلك، يتضح لنا أن أبده البديهيات العقلية ليست إلا التجلي الأول لتلك المعرفة الفطرية بالله تعالى، وأن العقل البشري إنما يتحرك ويفكر على ضوء تلك الشهادة الأصلية المسطورة في أعماق الوجدان.
تعليقات
إرسال تعليق