مقاربة عقلية لرواية رؤية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بين الحقيقة والوهم

 

مقاربة عقلية لرواية رؤية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بين الحقيقة والوهم

​يُعدُّ الحديث الشريف: "من رآني فقد رآني حقًّا، فإنَّ الشيطان لا يتمثَّل بي" ميزانًا معرفيًا دقيقًا، يستوجب تأويلاً عقلياً يُميز بين التجلّي الحقيقي والانعكاسات الذهنية. ويمكن تفصيل هذا الاستدلال وفق الآتي:

​أولاً: التمييز العقلي بين الصادق والمُتوهّم

​إنّ العقل يقضي بأنّ "الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره". لذا، فإنّ الرواية تضع شرطاً ضمنياً وهو المطابقة الوجودية:

  • الرؤية الحقّة: هي التي تقع لمن أحاط علماً بـ "الشمائل النبوية" التاريخية المتواترة؛ فإذا رآه (صلى الله عليه وآله وسلم) على صورته الثابتة، انطبقت عليه الرواية بيقين، لعجز الشيطان عن محاكاة تلك الهيئة القدسية.
  • الانعكاس الذهني: أما من يجهل تلك الشمائل ويظن في منامه أن الشخص الذي رآه هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذه في الغالب ليست رؤية حقيقية، بل هي تجسيدٌ لما في "العقل الباطن" من معتقدات وتصورات مُختلقة، فالحديث يشترط مطابقة الرؤية لصاحب الذات الحقيقية لا للوهم العام.

​ثانياً: تفاوت الأوصاف برهانٌ على الخيال

​يُستدل عقلياً على بطلان كثير من دعاوى الرؤية من خلال "قانون التناقض":

  • ​نلحظ تناقضاً كبيراً في الأوصاف التي يذكرها بعض الرائين؛ فبعضها يخرج عن حدود الكرامة النبوية ولا يليق بمقامه (صلى الله عليه وآله وسلم).
  • ​هذا التفاوت والاضطراب في الوصف يدلُّ على أن مصدر الرؤية هو "الخيال الفردي" لا الحقيقة الخارجية، إذ إن الحقيقة الواحدة لا تتجلى بصور متناقضة تصطدم مع الثوابت التاريخية.

​ثالثاً: القياس على رؤية الذات الإلهية

​لتعميق الحجة العقلية، نقيَس الأمر على مسألة رؤية الله سبحانه في المنام:

  1. المعتقد الفاسد: من يدعي رؤية الخالق بصورة مادية إنما رأى "انعكاساً لمعتقده القاصر"، فالله عز وجل \{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ\}.
  2. الاستنتاج: كما أن رؤية الله في المنام هي مرآة لظن العبد، فإن رؤية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير المطابقة لأوصافه الحقيقية هي انعكاس لصورة ذهنية مسبقة، وليست دليلاً على صدق الرؤية.

الخلاصة:

إنّ مقتضى الاستدلال العقلي يحصر "الرؤية الحقّة" في تلك التي تطابق الواقع التاريخي لشمائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك نَصون النص الشريف من أن يكون ذريعةً للأوهام أو الاضطرابات النفسية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن