وهمُ الاستحقاق: حين يظن العبد أن "مفتاحه" صنع يديه!

 

وهمُ الاستحقاق: حين يظن العبد أن "مفتاحه" صنع يديه!

​يبدو أن بعض النفوس ما زالت تؤمن بأن طريق الجنة مرصوف بجهودها الخاصة، وأنها ستطرق أبواب الخلد بمفتاح صنعته أيديها. نَسوا – أو تناسوا – أن من وهبهم القدرة على الطاعة هو نفسه صاحب المنّة في جعلها طريقاً إلى رحمته.

​ولعل أغرب ما في الغرور أن صاحبه لا يكتفي بأن يجهل، بل يجهل أنه يجهل، فيخاصم النص والعقل والقدر معاً.

​تحدي الذات: هل تملك "نَفَسَك"؟

​لمن يظن أنه سيدخل الجنة بمحض عمله لا برحمة الله، نوجه هذه التساؤلات ليس من باب التعجيز، بل من باب التأمل:

  • ​أرِنا عملاً واحداً أنتجته من طاقتك الذاتية المحضة، دون إعانة من قدرة الله؟
  • ​أرِنا علماً لم يُلهمك إياه، أو إرادة لم يخلقها فيك؟
  • ​أرِنا قلباً ينبض خارج سلطان مشيئته، أو نَفَسَاً واحداً لا يمر أولاً بإذنه تعالى!
  • "من الذي جعل العمل طريقاً إلى الجنة؟ الله أم عملك؟"


    ​منطق المحاسبة أم منطق الفضل؟

    ​يا من يفاوض الخالق بمنطق "المحاسبة" والاستحقاق، أجبني بإنصاف:

    1. ​هل أنت من اخترع ميزان القسطاس بذكائك، أم ربك هو من جعله شاهداً على فضله؟
    2. ​هل أنت من قرر أن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم أن الذي خلقك من عدم هو الذي تكرّم على ضعف عملك بهذا الفضل العظيم؟

    ​مفارقة الضعف والاستغناء

    ​عجيب أمر هذا الإنسان؛ ينسى أنه ليس إلا "فاعلاً بالتفويض"، ثم يتحدث عن الاستحقاق وكأنه المؤلف الرئيسي لكتاب الوجود! يتوهم أنه بعمله اشترى الجنة، وينسى أن:

    • الثمن: من خزائن الرحمة.
    • الأطراف: البائع والمشتري والصفقة جميعاً من صنع الله.

    ​هذا هو الجهل حين يتنكر في هيئة استغناء، والكبر حين يتحدث بلسان "فلسفة عوراء". فالعبد مهما اجتهد، لا يدخل الجنة بعمله استحقاقاً، بل برحمةٍ جعلت العمل سبباً، والسبب نفسه مخلوق في علم الله منذ الأزل.

    ​خاتمة تأملية: من وحي الصحيفة السجادية

    ​ولعل أعمق ما يفضح "وهم الاستحقاق"، هو ما ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة السجادية، حيث يشير إلى حقيقة مذهلة:

    "لو حمدتكَ على نعمةٍ واحدةٍ حمدًا يليق بكَ، لوجب عليَّ أن أحمدكَ عليها وعلى كلمة الحمد نفسها.."


    ​فالشكر يتسلسل في نعم الله إلى ما لا نهاية. حتى كلمة "الحمد" هي في ذاتها نعمة تستوجب شكراً جديداً. هنا يدرك العبد أن كل عمل وكل شكر هو "منحة" قبل أن يكون "إنجازاً"، وأن الطريق إلى الله.. كله من الله.

    الخلاصة:

    هكذا يسقط ميزان الغرور، ويبقى الإنسان عبدًا يرفع يديه إلى رحمةٍ تفوق الحسنات، وتغمر التقصيرَ بكرمٍ لا يُحصى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن