حين تتحوّل الأوهام إلى ديانة: قراءة في مهزلة العهد السابع

حين تتحوّل الأوهام إلى ديانة: قراءة في مهزلة "العهد السابع" — بين السخرية والانتحار الروحي

مدخل إلى الوهم

في زمنٍ تختلط فيه الحقائق بالأوهام، ويعلو صوت الادعاء على برهان الوحي، يخرج علينا عبدالله هاشم ببدعة أسماها "العهد السابع". يدّعي أنه يحمل رسالة جديدة، لكنه في الحقيقة لا يحمل إلا مسرحًا للعبث وأقنعة متبدلة بين نبيّ ومهديّ وبابا وصحابيّ ومسيح. هي ديانة لا تنهض على نص ولا على عقل، بل على وهمٍ متراكم يكاد يضحك العاقل قبل أن يُثير حزنه. هنا قراءة في هذه المهزلة التي أراد لها أن تكون "دينًا"، فإذا بها لا تتجاوز كونها أوبريتًا للأباطيل.


مزاعم غريبة وادعاءات متناقضة

هذا الرجل المدعو عبدالله هاشم خرج على الناس بدينٍ سمّاه "العهد السابع"، لكنه في حقيقته ليس إلا سجلًا مزدحمًا بالهذيان والادعاءات الفارغة. فهو:

  • يروّج لتعدد الآلهة، ويلهو بتناسخ الأرواح كما لو كانت مسرحية تعاد تمثيلها بلا نهاية.
  • جعل الصلاة "الإمام"، والسجود "الإمام"، بينما يرى في نفسه المَسجود له.
  • يبيح الخمر بلا حرج، ويجعل رمضان في ديسمبر، في عبث يستبطن التهكّم على شريعة الله.
  • يزعم أنّ الكعبة في البتراء، وأن القرآن محرّف.
  • لا يكتفي، بل يرتدي كل يوم قناعًا جديدًا: فهو قائم آل محمد، وهو المهدي الثاني، وهو البابا، وهو صحابي مصر، وهو عودة يوسف الصديق، وهو رسول الإمام المهدي، وهو رسول المسيح عيسى بن مريم، بل وهو "إسرائِيل" نفسه!
  • يعلّل أن خالق هذا الكون إبليس، وأن الله يحتجب خلف الإمام.
  • ويزيد الأمر انحرافًا بتأييده الشذوذ وبتأليهه الإنسان حتى يرفعه إلى مرتبة ربوبية!

أي دين هذا؟ أبشائر هداية أم بازار للأقنعة؟ أهو وحي نازل من السماء، أم مسرح متنقّل تتقافز فيه الشخصيات من النبي إلى البابا، ومن يوسف الصديق إلى إسرائيل، في ساعة واحدة؟


دين المسرح لا دين الله

إن ما يقدّمه عبد الله هاشم لا يُعد دينًا ولا مذهبًا، بل هو مسرح ساخر يفضح نفسه من فرط التناقض: خليط من البدع، ونسيج من المزاعم، لا ينهض به عقل، ولا يثبته نص، ولا يحتمله منطق. إنه امتداد للباطل، لا للحق، وللمهزلة لا للرسالة.


حين يُقدّس الوهم: انتحار العقل وانتحال الربوبية

ليس الأخطر في “العهد السابع” أنه كذبٌ فجّ، أو ادعاءٌ سافر، بل أنه يمثل نموذجًا مُفزِعًا لانهيار الحدود بين المقدس والمسخوق، بين الوحي والهذيان، بين العقل والجنون. ففي لحظة تاريخية تتهاوى فيها المؤسسات، وتتشظى المرجعيات، وتتلاشى الثقة، يجد الوهم فراغًا روحيًا ومعرفيًا شاسعًا ليتمدد فيه، ويُلبس ثوب القداسة، ويُقدّم نفسه بديلاً عن الحق.

هنا لا يكذب الرجل فقط، بل يُعيد تعريف الكون: يقلب الألوهية رأسًا على عقب، ويُحلّل ما حرّم الله، ويُحرّم ما أحلّ، ويُعيد كتابة التاريخ والجغرافيا والدين كما يحلو له. إنه لا يُصلح، بل يُمزّق. لا يبني، بل يهدم. لا يهدي، بل يُضلّل. وفي هذا كله، يُقدّم نفسه كـ"خلاص" — وهو في حقيقته كارثة.

والأدهى من ذلك: أن هذا “الدين” لا يُطلب من أتباعه أن يتفكروا أو يتدبّروا أو يُمحّصوا، بل أن يُسلّموا — تسليم العابد لصنمه، لا المؤمن لربه. فالمطلوب ليس إيمانًا مبنيًا على يقين، بل طاعة عمياء لـ"إمام" يجمع في شخصه تناقضات لا تجتمع في عقل واحد، فكيف في رسالة سماوية؟!

إن تحويل الأوهام إلى ديانات هو أخطر أشكال التمرد على العقل والوحي معًا. إنه تمرد لا يُعلن نفسه تمردًا، بل يلبس عباءة التقوى، ويُطلق على نفسه “العهد السابع” كأنه استمرارٌ للأنبياء، بينما هو انقطاعٌ عن كل ما هو إلهي. إنه دينٌ لا يُريد أن يُنقذك، بل أن يُسخرك — يُسخّرك لعبادة شخص، لا لعبادة الله. يُسخّرك لتصديق المستحيل، لا لتفهم المعقول. يُسخّرك لترقص على إيقاع الهذيان، لا لتقرأ آيات الكون والوحي.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: فحين يُقدّس الوهم، يصبح العقل عدوًا، والشكّ خطيئة، والسؤال زندقة. وحينها لا يعود هناك فرق بين “العهد السابع” وعبادة الأصنام القديمة — بل إن الأصنام كانت أصدق، لأنها لم تدّع أنها “وحي جديد”، بل كانت تعترف بأنها مجرد حجر!


لماذا يصدق الناس الأوهام؟: فراغ القلب، وهشاشة العقل، وعبادة البديل

قد يتساءل العاقل: كيف لبشرٍ أن يصدق هذا الكمّ من التناقض والهذيان؟ كيف يُسلّم عقله لمن يدّعي أنه إسرائِيل ويوسف والبابا والمهدي في آنٍ واحد؟ الجواب لا يكمن في غباء الأتباع، بل في عمق الجرح النفسي والروحي الذي يعانيه كثير من الناس في عصرنا.

نحن نعيش في زمن:

  • الهوية المُشتّتة: حيث يبحث الإنسان عن معنى، عن انتماء، عن رسالة — فيجدها مُعلّبة ومُقدّمة له على طبق من أوهام باسم “الدين الجديد”.
  • الأزمة الروحية: حين تصبح المساجد مؤسسات، والعبادات عادات، والخطاب الديني جافًا أو مسيّسًا — يبحث القلب عن “تجربة روحية”، حتى لو كانت وهمًا ملوّنًا.
  • العزلة الاجتماعية: في عالم يزداد اتصالاً رقميًا وينقص ترابطًا إنسانيًا، يجد المهمّش أو المكسور في “جماعة العهد السابع” شعورًا بالانتماء، ولو كان وهميًا.
  • التمرد على المقدس التقليدي: بعض الشباب — خصوصًا من خبر خيبة المؤسسات الدينية أو السياسية — يرى في هذه “الأديان الجديدة” فرصة للثورة، دون أن يدري أنه يُستدرج إلى عبودية أشدّ قيودًا.
  • إشباع حاجة السيطرة والتميز: فبعض الأتباع لا يؤمنون فعلاً، لكنهم يجدون في “الانتماء للعهد السابع” تميّزًا، أو هروبًا من عقدة النقص، أو حتى فرصة ليكونوا “رسلًا” أو “أوصياء” في لعبة الأدوار التي يديرها “الإمام”.

هنا لا يُخدع الإنسان لأنه ساذج، بل لأنه جائع — جائع للهوية، جائع للحب، جائع للسلطة، جائع للمعنى. والأوهام — حين تُقدّم ببراعة — تُشبِع الجوع مؤقتًا، لكنها تُمرض الروح إلى الأبد.

وأخطر ما في الأمر: أن هذه الأوهام لا تُبنى على الإقناع، بل على التلقين والتكرار والانفصال عن الواقع. فتُخلق “فقاعة معرفية” خاصة، يُمنع فيها السؤال، ويُكافأ التسليم، ويُقدّس “الإمام” كأنه مُخلّص لا يُخطئ. وهذا هو التعريف الدقيق للطائفة المنحرفة: حيث يُستبدل العقل بالولاء، والوحي بالكلام، والله بالإنسان.


خاتمة: العهد الساخر — ونداء إلى العقلاء

وهكذا، فإن "العهد السابع" الذي يروّج له عبدالله هاشم لم يكن عهدًا مع الله، بل هو عهد مع الوهم، ومع السخرية، ومع الضلال. دينٌ قائم على الأقنعة، لا على الوحي، وعلى الهوى، لا على الهداية. ولو سُمّي بحق لاسمه: العهد الساخر... حيث تُعبد الأوهام ويُهزأ بالحق — وفي قلب هذا السخرية، يُضحّى بالعقل، وتُداس قداسة السماء، ويُستبدل الخالق بالمخلوق — ويُستغلّ جوع الإنسان الروحي ليُقدّم له السمّ في كأس من ذهب.

إلى العقلاء من أهل العلم والفكر والدعوة:
لا يكفي أن نسخر أو نستنكر — بل يجب أن نفهم، ونعالج، ونبني.
علينا أن نملأ الفراغ الذي يصنعه الجهل والجفاف الروحي،
أن نعيد للدين روحه، لا شكله،
أن نُعلّم الناس كيف يُفكّرون، لا فقط ما يُفكّرون فيه،
أن نُعيد الثقة — لا بالبشر — بل بالمنهج، بالنص، بالعقل المستنير بالوحي.

وإلى من يبحث عن الحقيقة في زمن الضباب:
لا تُسلّم عقلك لأول من يلبس ثوب القداسة.
اسأل، تحرّ، اقرأ، تدبّر.
فالحق لا يخاف من السؤال، أما الباطل — فكل ما يخشاه أن يُكشف.


فليكن عهدنا — نحن — عهدًا مع العقل، مع الوحي، مع اليقين.
ليس السابع... بل الأول والأخير: عهد التوحيد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المدعو عبدالله هاشم (أبا ألصادق ) في الميزان

🚨 تفنيد استغلال حديث الوصية في ادعاء التنصيب 🚨

نقد دعوى الوصية: قراءة مغايرة لحديث الوصية في الرد على إدعاء أحمد الحسن