الرد على الشبهة حول قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16]
الرد على الشبهة حول قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16] — من منظور شيعي إمامي
قد يُستشكل على هذه الآية الكريمة بقول قائل: "كيف يأمر الله – تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً – المترفين بالفسوق حتى يُهلك القرية؟!" وهذا الاستشكال ينبني على سوء فهم لغوي وشرعي، وهو قولٌ باطل لا يليق بجلال الله وكمال عدله، بل يتنافى مع أصل من أصول العقيدة الشيعية، وهو العدل الإلهي، الذي يُنزِّه الله عن الظلم أو التسبب في المعصية.
والصواب – كما عليه المفسرون الشيعة والمحققون – أن المراد بـ"أمرنا مترفيها" هو: أمرناهم بطاعتنا وعبادتنا، أي أرسلنا إليهم الأنبياء والأوصياء أو الحجج الإلهية ليأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فعصوا واستكبروا، فكان فسقهم باختيارهم، لا بأمر من الله بالإفساد.
يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان:
"الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ هو الأمر التكليفي، لا الأمر التكويني... أي بعثنا إليهم من يأمرهم بطاعتنا، فلما أعرضوا وفسقوا، استحقوا العذاب. وهذا من باب إقامة الحجة، وهو أصل عظيم في العدل الإلهي".
ويؤكد الشيخ المفيد في أوائل المقالات:
"إن الله لا يُهلك أحداً إلا بعد بعثة نبي أو قائم مقامه، ليكون الحجة قائمة، والاعتذار مرفوعاً".
وهذا يتماشى مع العقيدة الشيعية في أن الحجة لا تُرفع عن الأرض أبداً، وأن الله يُرسل في كل زمان حجة – نبياً أو إماماً – ليُبيّن للناس طريق الحق، فلا يُعذّب أحدٌ إلا بعد قيام الحجة عليه، وهذا من لوازم عدله – جلّ وعلا.
والمترفون – كما في التفسير الشيعي – هم طبقة الأثرياء وأصحاب السلطان والنفوذ، الذين يُفترض فيهم أن يكونوا أقدر على قبول الحق ونشره، فإذا انحرفوا، انحرف المجتمع كله.
وقد ورد في الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) أنهم أول من يُسأل يوم القيامة، لأنهم كانوا في موضع المسؤولية والتأثير.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام):
"إن الله إذا أراد بقوم خيراً جعل أرزاقهم في أيدي فُضَلائهم، وإذا أراد بهم غير ذلك جعلها في أيدي سُفَهائهم، فَيُفسِدون ويُفسَدون" (بحار الأنوار، ج75، ص387).
وهذا الحديث يُبيّن أن الفساد لا يكون بأمر من الله، بل بسبب اختيار السفهاء وتمردهم على أوامره، والله – سبحانه – إنما "أراد" الهلاك بمعنى أنه تعلّق علمه وقضاؤه بعدم إيمانهم واختيارهم لطريق الغي، لا أنه أجبرهم عليه.
خلاصة القول من منظور شيعي:
الآية تُقرّر حقيقتين أساسيتين:
١. العدل الإلهي: لا يُعذّب الله أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه، عبر نبي أو إمام أو حجة من حججه.
٢. مسؤولية المترفين: وهم الطبقة المخاطَبة أولاً بالحق، فإذا فسقوا، عمّ الفساد، وحقّ العذاب، لأنهم أضاعوا موقع المسؤولية.
ولا يُفهم من "أمرنا" إلا الأمر التكليفي بالطاعة، لا التكويني بالمعصية، والله – تعالى – لا يأمر بالفحشاء، بل يأمر بالقسط، ويُمهل ولا يُهمل، ثم يُعاقب بعد استحقاق العقوبة.
فلا تعارض بين الآية وعدل الله، بل هي من أعظم الآيات تأكيداً على أن الهلاك نتيجة اختيار الإنسان، لا إرادة الله في إفساده، والله – سبحانه – أرحم بعباده من أن يأمرهم بالفساد ثم يعاقبهم عليه.
تعليقات
إرسال تعليق